الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1702 15 رجب 1447هـ - الموافق 05 كانون الثاني 2026م

الاعتبار والتقوى في زمن الفتن

أيّامُ الأملِ والعملِآثار ترك الزهدعنوانُ صحيفةِ المؤمنِمراقباتمراقباتثلاثٌ لِرضوانِ الله ِعزَّ وجلَّشَهْرُ اَلاِسْتِغْفَارِمراقباتفاطمةُ الزهراءُ عابدةٌ شفيعةٌ
من نحن

 
 

 

منبر المحراب

العدد 1702 15 رجب 1447هـ - الموافق 05 كانون الثاني 2026م

الاعتبار والتقوى في زمن الفتن

تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

الحمد لله ربّ العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكّل عليه، ونشهد أن لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، صلّى الله عليه وعلى آله الطيّبين الطاهرين.

أيّها المؤمنون،
نعيش اليوم في عالمٍ مضطرب، عالمٍ تتساقط فيه الأقنعة، وتتكشّف فيه الغطرسة العالميّة بأوضح صورها، حيث يُستباح الحقّ، ويُحاصَر أهله، وتُشنّ الحروب على الشعوب المستضعفة بلا رادعٍ من ضميرٍ أو أخلاق. وفي مثل هذا المناخ الملبَّد بالفتن والتضليل، نحن أحوج ما نكون إلى بصيرةٍ تهدينا، واعتبارٍ يوقظنا، وتقوى تحفظنا من الانزلاق في مسارات التيه والاشتباه.

هنا، يضعنا أمير المؤمنين (عليه السلام) أمام قاعدةٍ أخلاقيّةٍ ومعرفيّةٍ بالغة العمق، ويبيّن لنا ميزاناً دقيقاً نزِن به المواقف في زمن الالتباس، حين يقول: «إنَّ مَن صرَّحَتْ له العِبَرُ عمّا بين يدَيه من المَثُلات، حجزَتْهُ التّقوى عن تَقحُّمِ الشُبُهات»[1].

بهذه الكلمات العلويّة، يُؤسِّس أمير المؤمنين (عليه السلام) لقاعدةٍ عمليّة في مواجهة الفتن؛ إذ يربط (عليه السلام) بين الاعتبار بوصفه طريق الوعي والفهم، والتقوى بوصفها الحصن الذي يمنع من السقوط والانحراف.

الاعتبار قراءةٌ للسنن لا للأحداث فقط
إنّ الاعتبار ليس مجرّد تأمّلٍ في التاريخ بوصفه حكاياتٍ مضت، بل هو قراءة للسنن الإلهيّة التي تحكم مسار الأمم؛ فالله سبحانه لا يحكم العالم بالفوضى، بل بسننٍ ثابتة، مَن أخذ بها نجا، ومَن خالفها هلك، مهما امتلك من قوّةٍ أو سلاح، قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ﴾[2].

إنّ الاعتبار يعني أن ننظر إلى ما جرى على الطغاة في الماضي، وأن نقرأ ما يجري اليوم بميزان الحقّ، لا بميزان الإعلام المضلِّل؛ فالاستكبار العالميّ الذي يمارس العدوان اليوم هو امتدادٌ لخطّ فرعون والنمرود وقارون... وكلّهم سقطوا، لا لأنّهم كانوا ضعفاء، بل لأنّهم واجهوا سنن الله بالكِبر والطغيان. ومَن لا يعتبر، يكرّر الأخطاء نفسها، وقد حذّرنا الله من ذلك بقوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾[3].

التقوى حصانة داخليّة في زمن الشبهات
وإذا كان الاعتبار هو الوعي، فإنّ التقوى هي السلوك. والتقوى ليست حالةً سلبيّة من الانعزال، بل هي حالة يقظةٍ دائمة، تمنع الإنسان من التورّط في الباطل، ولو كان بلبوس الحقّ. ومن أخطر ما نواجهه اليوم هو زمن الشبهات: شبهات في الفكر، وشبهات في المواقف، وشبهات في المال، وشبهات في الإعلام.

يقول الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه): «ماذا تعني التقوى؟ تعني المراقبة الكاملة… يلتفت إلى كلّ خطوة من خطواته... ينظر تحت قدميه، ويكون لديه رؤية... تعني المراقبة بدقّة لتجنّب التصرّف بما يخالف حكم الله المتعالي ونهيه»[4].

وقد وضع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قاعدةً جامعة، فقال: «حَلَالٌ بَيِّنٌ، وحَرَامٌ بَيِّنٌ، وشُبُهَاتٌ بَيْنَ ذَلِكَ»، ثمّ بيّن أنّ النجاة ليست في الجرأة، بل في الورع، وأنّ الاقتحام في الشبهات هو طريق الهلاك؛ لذا يكمل (صلّى الله عليه وآله) قائلاً: «فَمَنْ تَرَكَ الشُّبُهَاتِ نَجَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، ومَنْ أَخَذَ بِالشُّبُهَاتِ ارْتَكَبَ الْمُحَرَّمَاتِ، وهَلَكَ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ»[5]، وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «الذي يتورّعُ من محارمِ الله، ويجتنبُ هؤلاء، فإذا لم يتَّقِ الشّبهاتِ وقعَ في الحرام وهو لا يعرِفُه»[6].

التديّن الشكليّ وانتقائيّة الورع
وهنا، نصل إلى واحدةٍ من أخطر الآفات، وهي التديّن الانتقائيّ، حيث يكون الإنسان شديد الاحتياط في مسائل شكليّة، ومتساهلاً في القضايا المصيريّة.

وقد عالج الإمام الخمينيّ (قُدِّس سرُّه) هذا الخلل بجرأةٍ وعمق، حين انتقد أولئك الذين يُفرِطون في الوسوسة في بعض الجزئيّات، ويتساهلون في الأموال، والحقوق، والظلم الاجتماعيّ. وهذا النوع من التديّن لا يصنع مجتمعاً مقاوماً، ولا إنساناً ثابتاً، بل يصنع شخصيّاتٍ هشّة، قابلة للاختراق عند أوّل امتحان.

والتقوى الحقيقيّة، هي التي تجعل الإنسان صادقاً مع الله، عادلاً في المال، نزيهاً في الموقف، شجاعاً في قول الحقّ، لا متديّناً في زاوية، ومتخاذلاً في ساحات المواجهة.

الاعتبار والتقوى في مواجهة الاستكبار
إنّ مواجهة قوى الاستكبار العالميّ ليست خياراً سياسيّاً ظرفيّاً، بل هي تكليفٌ أخلاقيّ وموقفٌ إيمانيّ متجذّر في القرآن، يفرض على المؤمن الوقوف إلى جانب الحقّ مهما تعاظم طغيان المتكبّرين. فالاعتبار بسنن الله في التاريخ يعلّمنا أنّه لا نجاةَ لمن يتخلّى عن نصرة المستضعفين، ولا نصرَ لمن يركن إلى الباطل ويطبِّع معه.

ومن هنا جاء التحذير الإلهيّ الصريح: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾[7]؛ فالركون ليس مجرّد مشاركةٍ في الظلم، بل هو في كلّ ميلٍ أو صمتٍ أو تبريرٍ يمنح الظالم شرعيّةً ويُضعِف حضور الحقّ في النفوس.

ولأنّ التقوى ليست عبادةً فرديّةً منقطعة عن الواقع، بل هي وعيٌ وبصيرةٌ وموقفٌ عمليّ، فإنّ المؤمن الواعي لا يقف موقف المتفرّج أمام الظلم، ولا يلوذ بالحياد، بل يقرأ الأحداث بنورها وهديها، ويصطفّ بثباتٍ مع الحقّ، ويواجه الاستكبار بمنهجٍ شجاع لا مساومة فيه.

وقد أكّد الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) أنّ مواجهة نظام الاستكبار تكليفٌ دائم لا يقبل التنازل، وأنّ المقاومة في وجه الظلم والغصب باقيةٌ حتّى بلوغ الهدف الإلهيّ، قائلاً: «فليعلم العدوّ أنّ المقاومة في مواجهة الغصب والظلم والاستكبار باقية، ولن تتوقّف حتّى بلوغ الغاية المنشودة بإذن الله»[8].

وهكذا تتجلّى التقوى في ميدان المواجهة باعتبارها ثباتاً قيميّاً واصطفافاً واعياً مع الحقّ؛ فبالاعتبار تُستضاء البصائر، وبالتقوى تُحفظ المواقف، وهما معاً جناحا النجاة في زمن الفتن.


[1]  السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص57، الخطبة 16.
[2]  سورة آل عمران، الآية 137.
[3] سورة الحشر، الآية 2.
[4] من كلامٍ له (دام ظلّه)، بتاريخ 12/04/2022م.
[5]  الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج1، ص168.
[6]  الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج16، ص258.
[7] سورة هود، الآية 113.
[8] من بيانٍ له (دام ظلّه) في تشييع الشهيدَين السيّد حسن نصر الله والسيّد هاشم صفيّ الدين، بتاريخ 21/02/2025م.
 

05-01-2026 | 00-46 د | 73 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net