الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1540 06 جمادى الأولى 1444 هـ - الموافق 01 كانون الأول2022م

الكلامُ أحسنُ الأشياءِ وأقبحُها‏

السلوك الشعبيّ لإمام الجمعةتجلّياتٌ زينبيّةسُلوك المؤمِنمراقباتفَلا مَنْجَى مِنْكَ إلاّ إِلَيْكَمراقباتالمعُافَاة في الأَديانِ والأَبدانمراقباتالإستِعانَة بِالله عَزَّ وجَلّ
من نحن

 
 

 

منبر المحراب

العدد 1508 19 شهر رمضان 1443 هـ - الموافق 21 نيسان 2022م

من صفات أمير المؤمنين (عليه السلام)

تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق



الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.

أيّها الأحبّة،
كانت شخصيّة أمير المؤمنين (عليه السلام) مشبعة بالمثل العليا والقيم الرفيعة، التي جسّدها من خلال فكره ونظرته للحياة، ومن خلال سلوكه وسيرته، وما كان عليه في حياته من مواقف جليلة، أكّدت لنا عمق ارتباطه الوثيق بالإسلام المحمّديّ الأصيل، فقد كان مدرسةً في الميادين والأصعدة كافّة، لا يضاهيه بها أحدٌ بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، في العلم والتقوى والأخلاق الحميدة والآداب الحسنة...

ولو أردنا الإضاءة على جوانب شخصيّته المباركة كلّها لطال بنا المقام، لكن نقتصر على الآتي:

إباؤه وشهامته (عليه السلام)
لقد كان أبيّاً يترفّع عن فعل ما يقترفه الجاهلون، فلم يكن يردّ على الذين يواجهونه بالسبّ والشتيمة، بل كان يوصي أصحابه ألّا يفعلوا مثل ما يفعل أعداؤه ممّن كانوا يشتمونه على المنابر كرهاً وحقداً، قائلاً لهم: «إِنِّي أَكْرَه لَكُمْ أَنْ تَكُونُوا سَبَّابِينَ، ولَكِنَّكُمْ لَوْ وَصَفْتُمْ أَعْمَالَهُمْ وذَكَرْتُمْ حَالَهُمْ، كَانَ أَصْوَبَ فِي الْقَوْلِ وأَبْلَغَ فِي الْعُذْرِ، وقُلْتُمْ مَكَانَ سَبِّكُمْ إِيَّاهُمْ: اللَّهُمَّ احْقِنْ دِمَاءَنَا ودِمَاءَهُمْ، وأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وبَيْنِهِمْ، واهْدِهِمْ مِنْ ضَلَالَتِهِمْ، حَتَّى يَعْرِفَ الْحَقَّ مَنْ جَهِلَه، ويَرْعَوِيَ عَنِ الْغَيِّ والْعُدْوَانِ مَنْ لَهِجَ بِه»[1].

صدقه وإخلاصه
إنّ شدّة التزامه (عليه السلام) بمبادئ الإسلام الحنيف والحقّ، دفعته إلى ألّا يداهن أحداً على حساب تلك المبادئ، حتّى عُيّر من بعض الجهلة بأنّه لم يكن يعرف بالسياسة، وهذا منهم جهل مطبق بفكر الإمام وسيرته وسلوكه، وهو الذي ترك لنا بمواقفه تلك عبراً ودروساً لا ينبغي لمؤمنٍ إلّا أن يتّخذها دستوراً له في حياته ليحفظ بذلك دينه وإنسانيّته، فمثل هؤلاء كانوا يقدّمون السياسة على تلك المُثل، على قاعدة «الغاية تبرّر الوسيلة».

وفي مقولته الشهيرة بعد حيلة معاوية بن أبي سفيان: «واللَّه مَا مُعَاوِيَةُ بِأَدْهَى مِنِّي، ولَكِنَّه يَغْدِرُ ويَفْجُرُ، ولَوْ لَا كَرَاهِيَةُ الْغَدْرِ لَكُنْتُ مِنْ أَدْهَى النَّاسِ»[2]، تأكيدٌ واضح على السياسة التي كان يتّبعها، فلم يكن يغلّب المصالح الآنيّة والضيّقة على المبادئ الأخلاقيّة التي لا ينبغي التنازل عنها قيد أنملة.

وفي حقيقة الإيمان يقول (عليه السلام) مبيّناً هذا المفهوم: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ، عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ»[3].

زُهده (عليه السلام)
إنّ من أبرز الصفات التي اتّصف وعُرِف بها (عليه السلام)، صفة الزهد، وهو يعني عدم التعلّق بأمور الدنيا ومادّيّاتها، وترك الارتباط بها، من زينة وزخرفة ومأكل وملبس ومسكن، فقد كان بسيطاً في عيشه أيّما بساطة، يخصف نعله ويأكل الشعير ويطحنه بيديه الكريمتين، ويأكل من الخبز اليابس.

روى هارون بن عنترة عن أبيه، قال: دخلتُ على عليّ بالخورنق، وكان فصل شتاء، وعليه خَلَقُ[4] قَطِيفة[5]، هو يرعد فيه، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنّ الله قد جعل لك ولأهلك في هذا المال نصيباً، وأنت تفعل ذلك بنفسك؟! فقال: «والله ما أرزؤكم شيئاً، وما هي إلّا قطيفتي التي أخرجتها من المدينة»[6].

وأتاه أحدهم بطعام نفيس حلو، يُقال له: الفالوذج، فلم يأكله عليّ، ونظر إليه يقول: «والله إنّك لطيّب الريح حسن اللون طيّب الطعم، ولكن أكره أن أُعوّد نفسي ما لم تعتد»[7].

والمشهور أنّه كان يأبى أن يسكن قصر الإمارة الذي كان مُعدّاً له بالكوفة، لئلّا يرفع سكنه عن سكن أُولئك الفقراء الكثيرين الذين يقيمون في خِصاصهم البائسة، ومن كلامه هذا القول الذي انبثق عن أسلوبه في العيش: «أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ: هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، ولَا أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِه الدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ؟!»[8].

عدم تكلّفه (عليه السلام)
إنّ من السمات التي اتّسمت بها شخصيّة الإمام (عليه السلام) البساطة وعدم التكلّف، فلم يكن يُشعِر الآخرين بضرورة التكلّف له، وكان يقول: «شَرُّ الإِخْوَانِ مَنْ تُكُلِّفَ لَه»[9]، ويقول: «إِذَا احْتَشَمَ[10] الْمُؤْمِنُ أَخَاه فَقَدْ فَارَقَه»[11].

والنهي عن التكلّف يشمل ما كان مرتبطاً بالأفعال والأقوال، ومن ذلك التملّق والمبالغة في الحبّ وغير ذلك، ومن ذلك ما حدث مع بعض من غالوا به (عيه السلام)، وقد قال: «هَلَكَ فِيَّ رَجُلَانِ: مُحِبٌّ غَالٍ ومُبْغِضٌ قَالٍ»[12].

ضربة بضربة
أيّها الأحبّة،
إنّ في الموقف الذي اتّخذه أمير المؤمنين (عليه السلام) بعدما ضربه ذاك الشقيّ على رأسه الشريف درسٌ عظيمٌ لنا، إذ يُحذّر أرحامه في حال شهادته بهذه الضربة، يقول: «يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُلْفِيَنَّكُمْ تَخُوضُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ خَوْضاً، تَقُولُونَ: قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَا لَا تَقْتُلُنَّ بِي إِلَّا قَاتِلِي. انْظُرُوا، إِذَا أَنَا مِتُّ مِنْ ضَرْبَتِه هَذِه، فَاضْرِبُوه ضَرْبَةً بِضَرْبَةٍ، ولَا تُمَثِّلُوا بِالرَّجُلِ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه (صلّى الله عليه وآله) يَقُولُ: إِيَّاكُمْ والْمُثْلَةَ! ولَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ»[13].

وهذا في الواقع ينسجم بشكل تامّ مع مبادئه الرفيعة في أن يؤخذ حقّ المظلوم، ولكن أن يكون ذلك بحدوده الشرعيّة التي شرّعها الله تعالى.

فهو من جهة يؤكّد ضرورة الاقتصاص من القاتل، ومن جهة أخرى يحذّر من تعدّي حدود الله في الاقتصاص منه.

وهذا ليس غريباً عنه (عليه السلام)، وهو الذي سار في حياته كلّها ملازماً للحقّ والعدل، بصغائر الأمور وكبائرها.

فسلامٌ عليه يوم وُلِد، ويوم استشهد، ويوم يُبعَث حيّاً.


[1]  السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص323.
[2] المصدر نفسه، ص318.
[3] المصدر نفسه، ص556.
[4] الخَلَق: البالي من الثياب والجلد.
[5] كساءٌ له أَهداب.
[6] ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج3، ص400.
[7] المتّقي الهنديّ، كنز العمال، ج13، 184.
[8] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص418.
[9]  المصدر نفسه، ص559.
[10]  أي التكلّف.
[11]  السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص559.
[12]  المصدر نفسه، ص489.
[13]  الصدر نفسه، ص423.

21-04-2022 | 12-34 د | 579 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net