من مواعظِ الإمامِ موسى بنِ جعفرٍ (عليهما السلام) في وصيّتِهِ لهشامٍ بنِ الحكمِ: «يَا هِشَامُ، قَوْلُ اللَّهِ: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾[1] جَرَتْ فِي الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَالْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُكَافِئَ بِهِ، وَلَيْسَتِ الْمُكَافَأَةُ أَنْ تَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ حَتَّى تَرَى فَضْلَكَ، فَإِنْ صَنَعْتَ كَمَا صَنَعَ فَلَهُ الْفَضْلُ بِالابْتِدَاءِ»[2].
من طبيعةِ الحياةِ الإنسانيّةِ أن يحتاجَ الإنسانُ إلى غيرِهِ، فيطلبَ منهُ العونَ، وقد حثّتِ الرواياتُ الكثيرةُ على مدِّ يدِ العونِ إلى المحتاجِ، واستجابةِ طلبِ طالبِ الحاجةِ، وهيَ دعوةٌ واسعةٌ لا ينبغي للإنسانِ أن ينتظرَ فيها جزاءً ولا شكوراً، فعنِ الإمامِ الصادقِ (عليه السلام): «اصْنَعِ الْمَعْرُوفَ إِلَى مَنْ هُوَ أَهْلُهُ، وَإِلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ مِنْ أَهْلِهِ فَكُنْ أَنْتَ مِنْ أَهْلِهِ»[3].
ولكن منَ الآدابِ الواردةِ في ذلكَ مكافأةُ الإحسانِ. والمرادُ منَ المكافأةِ هوَ أن يعطيَ على الإحسانِ بدلاً، وهذا البدلُ محورُهُ الأوّلُ أن تكونَ سنداً لمن أعانَكَ يوماً ما، وعوناً لهُ، فتردَّ لهُ جميلَهُ وصنيعَهُ.
وقد وردَ في الرواياتِ بعضُ الآدابِ ذاتِ الصلةِ بذلكَ، منها:
1. الشكر: ويكونُ بالثناءِ عليهِ بسببِ معونتِهِ وإحسانِهِ، فعن عمّارِ الدهنيِّ أنَّهُ قالَ: سمعتُ عليَّ بنَ الحسينِ (عليهما السلام) يقولُ: »إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِينٍ، وَيُحِبُّ كُلَّ عَبْدٍ شَكُورٍ، يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَشَكَرْتَ فُلَاناً؟ فَيَقُولُ: بَلْ شَكَرْتُكَ يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: لَمْ تَشْكُرْنِي إِذْ لَمْ تَشْكُرْهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْكَرُكُمْ لِلَّهِ أَشْكَرُكُمْ لِلنَّاسِ»[4].
2. الدعاءُ لهُ: وهوَ البابُ المطلوبُ دائماً، ولكنَّهُ يتأكّدُ عندَ العجزِ عن مبادلةِ الإحسانِ بسببِ عدمِ امتلاكِ ذلكَ، معَ امتلاكِ الكلمةِ الطيّبةِ التي يذكرُهُ فيها بخيرٍ، فعنِ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله): «مَنْ أَتَاكُمْ مَعْرُوفاً فَكَافِئُوهُ، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا اللَّهَ لَهُ حَتَّى تَظُنُّوا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ»[5].
وأدنى ما يكونُ منَ الدعاءِ كلمةُ «جَزَاكَ اللَّهُ خَيْراً»، فعنِ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله): «كَفَاكَ بِثَنَائِكَ عَلَى أَخِيكَ إِذَا أَسْدَى إِلَيْكَ مَعْرُوفاً أَنْ تَقُولَ لَهُ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْراً، وَإِذَا ذُكِرَ وَلَيْسَ هُوَ فِي الْمَجْلِسِ، أَنْ تَقُولَ: جَزَاهُ اللَّهُ خَيْراً، فَإِذاً أَنْتَ كَافَيْتَهُ»[6].
ولكنَّ هذانِ الدعاءَ والثناءَ لا يمنعانِ من ردِّ المعروفِ عندَ الاستطاعةِ، ففي رسالةِ الحقوقِ للإمامِ زينِ العابدينَ (عليه السلام): «وَأَمَّا حَقُّ ذِي الْمَعْرُوفِ عَلَيْكَ، فَأَنْ تَشْكُرَهُ، وَتَذْكُرَ مَعْرُوفَهُ، وَتَكْسِبَهُ الْمَقَالَةَ الْحَسَنَةَ، وَتُخْلِصَ لَهُ الدُّعَاءَ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ كُنْتَ قَدْ شَكَرْتَهُ سِرّاً وَعَلَانِيَةً، ثُمَّ إِنْ قَدَرْتَ عَلَى مُكَافَاتِهِ يَوْماً كَافَيْتَهُ»[7].
ختاماً، نُعزّي صاحبَ العصرِ والزمانِ (عجّلَ اللهُ تعالى فرجَهُ الشريف) ووليَّ أمرِ المسلمينَ والمجاهدينَ جميعاً، بذكرى شهادةِ الإمامِ موسى بنِ جعفرٍ الكاظمِ (عليهِ صلواتُ اللهِ) في الخامسِ والعشرينَ من شهرِ رجبٍ، عامَ 183 للهجرةِ.
وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين
[1] سورة الرحمن، الآية 60.
[2] ابن شعبة الحرّانيّ، تحف العقول، ص395.
[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج4، ص27.
[4] المصدر نفسه، ج2، ص99.
[5] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج16، ص307.
[6] الكوفيّ الأهوازيّ، الزهد، ص33.
[7] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص372.









