الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين
بين التضحية والولايةمن عرفات إلى كربلاءالخطاب الثقافي (رقم ٥) الخطاب الثقافي (رقم ٤) الخطاب الثقافي (رقم ٣) الخطاب الثقافي (رقم ٢) الخطاب الثقافي (رقم ١) شهادة الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)

العدد 1709 05 شهر رمضان 1447هـ - الموافق 23 شباط 2026م

صدَّقَتني وآمَنَت بي

سلامُ اللهِ إليها
من نحن

 
 

 

التصنيفات
بين التضحية والولاية
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

بين التضحية والولاية

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.

إلى مولانا صاحب العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)، وإلى وليّ أمر المسلمين آية الله السيّد مجتبى الخامنئيّ (دام ظلّه)، وإلى الوليّ الشهيد الإمام الخامنئيّ (قُدَّس سرّه)، وإلى شهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضون الله عليه)، وإلى مراجعنا وقادتنا العظام، وإلى الأمّة الإسلاميّة جمعاء، نرفع أسمى آيات التهنئة والتبريك بعيد الأضحى المبارك وعيد الغدير الأغرّ، وبذكرى ولادة الإمام الهادي (عليه السلام) في الخامس عشر من ذي الحجّة عام 212هـ، سائلين المولى أن ينصرنا على أعدائنا، وأن يردّ كيدهم إلى نحورهم، إنّه سميعٌ مجيب.

قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ، وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حين نزل جبرائيل بهذه الآية في غدير خُم: «اللهُ أكبرُ على إكمالِ الدِّين، وإتمامِ النعمة، ورضا الربِّ سبحانَهُ وتعالى برسالتي إليكم، والولايةِ لعليِّ بنِ أبي طالبٍ بَعدي» .

أيّها المؤمنون،
نعيش في هذه الأيّام بين مناسبتين عظيمتين من مناسبات الإسلام؛ عيد الأضحى وعيد الغدير. وإذا كان الأضحى يمثّل ذروة التسليم لله والتضحية في سبيله، فإنّ الغدير يمثّل ضمانة بقاء هذا الدين محفوظاً من الانحراف والضياع، عبر ولاية الحقّ والقيادة الإلهيّة.

ولذلك، فإنّ الربط بين العيدَين ليس ربطاً زمانيّاً فقط، بل هو ربطٌ في المعنى والمشروع؛ فإبراهيم (عليه السلام) قدّم أعظم صور التضحية والطاعة، والنبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) أكمل مشروع الرسالة بتنصيب أمير المؤمنين (عليه السلام) في غدير خُم، ليبقى خطّ الحقّ ممتدّاً في الأمّة.

وفي ظلّ ما يعيشه لبنان اليوم من عدوان واستهداف وضغوط وحربٍ نفسيّة وإعلاميّة وسياسيّة، تبرز الحاجة إلى استحضار هذه المعاني الكبرى؛ معاني التضحية والثبات والولاية والعدل؛ لأنّ الأمم لا تحفظ نفسها بالقوّة المادّيّة وحدها، بل بالبصيرة والقيادة والإيمان والصبر.

إنّ ما يجري اليوم ليس مجرّد معركة حدود أو حسابات سياسيّة، بل معركة إرادة وهويّة وموقع. وثمّة مَن يريد لهذه البيئة المؤمنة أن تتعب وأن تتخلّى عن خيارها، لكنّ الصمود الأسطوريّ الذي يُسجَّل في الميدان، والصبر العظيم الذي يتحمّله الناس برغم التهجير والدمار والخسائر، يكشف أنّ هذه الأمّة ما زالت تمتلك روحها الحقيقيّة.

الحجّ والأضحى صناعة الإنسان الموحِّد
أيّها الأحبّة،
إنّ الحجّ في الإسلام مدرسةٌ متكاملة لبناء الإنسان، يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «وهذا بيت استَعْبَد اللهُ به خلقَه، ليختبر طاعتَهم في إتيانه، فحثّهم على تعظيمه وزيارته، وجعله محلَّ أنبيائه وقبلةً للمصلّين له، فهو شُعبةٌ من رضوانه وطريق يؤدّي إلى غفرانه» ؛ فالحجّ يربّي الإنسان على التوحيد والخضوع لله والتحرّر من عبوديّة الدنيا: الإحرام خلعٌ لزينة التفاخر، والطواف إعلان أنّ الله يجب أن يكون محور الحياة، والسعي بين الصفا والمروة تدريبٌ على الحركة في سبيل الله، والوقوف بعرفات لحظة مراجعة ومحاسبة واعتراف بالتقصير.

وفي قلب الحجّ عيد الأضحى، عيد إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام)، حيث تتجلّى أعظم صور التسليم لله تعالى، قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ . إنّ إبراهيم (عليه السلام) لم يكن يقدّم ابنه فقط، بل كان يقدّم كلّ معاني التعلّق بالله فوق كلّ شيء؛ ولذلك صار إماماً للموحِّدين.

واليوم، حين تصبر العائلات على النزوح، ويتحمّل الناس الخوف والخسائر والضغوط، ويتمسّكون بخيار الكرامة والسيادة، فإنّهم يقدّمون صورةً من صور الثبات في سبيل الحقّ. لقد أراد الأعداء أن تتحوّل الحرب إلى حالة يأس وانهيار، لكنّ هذه البيئة المؤمنة أثبتت أنّها أقوى من الحصار النفسيّ، وأنّها لا تزال قادرة على التضحية والصمود، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «فَالْمَوْتُ فِي حَيَاتِكُمْ مَقْهُورِينَ، والْحَيَاةُ فِي مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ» .

الغدير اكتمال الدين وضمانة الأمّة
أيّها المؤمنون،
إذا كان الأضحى يمثّل ذروة الطاعة، فإنّ الغدير يمثّل ذروة اكتمال الرسالة؛ فلقد وقف النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في غدير خُم، بعد حجّة الوداع، وفي حرّ الصحراء، ليجمع المسلمين ويعلن: «مَن كنتُ مولاه فهذا عليّ مولاه، اللهمّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله» .

ولمّا انتهى هذا الإعلان، نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾؛ وهذا يكشف أنّ قضيّة الغدير قضيّة تتعلّق بمصير الأمّة كلّها، يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه): «إنّ إقامة الحكومة ومسألة الولاية وإدارة الدولة من أساسيّات الدين، وقد امتثل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ ، بشكل لم ينجز معه أيّ واجب آخر كالصلاة والزكاة والصيام والجهاد» ؛ فالدين لا يُحفَظ بالأحكام فقط، بل بالقيادة التي تطبّق هذه الأحكام وتحرسها وتحول دون تحريفها. ومن هنا كانت الولاية ضمانة استمرار الإسلام الصحيح، وقد ورد في الحديث عن الإمام الباقر (عليه السلام): «بُني الإسلام على خمس: على الصلاة والزكاة والصوم والحجّ والولاية، ولم يُنادَ بشيء كما نودي بالولاية» ؛ ولذلك كانت حادثة الغدير إعلاناً عن مشروع قيادةٍ إلهيّة للأمّة، لا مشروع سلطة شخصيّة أو دنيويّة.
إنّ الإسلام يريد للأمّة قائداً عادلاً شجاعاً عالماً، يحفظ حقوق الناس، ويقيم القسط بينهم، ويمنع تسلّط الظالمين والفاسدين؛ ولهذا قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «الْعَدْلُ يَضَعُ الأُمُورَ مَوَاضِعَهَا» ، والغدير دعوة إلى إقامة العدل، وإلى بناء مجتمعٍ قائم على القِيَم والكرامة والحقّ.

الولاية تصنع القوّة وتُسقط رهان الأعداء
أيّها الأحبّة،
إنّ من أخطر ما تكشفه آية الغدير هو قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾، فما الذي جعل الكافرين ييأسون؟ لم يكن السبب حكماً فقهيّاً جزئيّاً، بل لأنّ الأمّة بات لها مشروع قيادة يحفظ الدين ويمنع انهياره وانحرافه. إنّ الأعداء لا يخافون من مجرّد وجود المسلمين، بل يخافون من أمّة تمتلك قيادةً واعيةً، وشعباً ثابتاً، وروحاً مستعدّة للتضحية، يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه): «لم يُستخدَمْ هذا التعبيرُ حولَ أيٍّ من الأحكامِ الإلهيّةِ الفرعيّة، بأنّه ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾. إذاً، فهذه قضيّةٌ مختلفة، وهي ليست كتلكَ الأحكامِ الفرعيّة. ما هي تلكَ القضيّة؟ إنّها قضيّةُ قيادةِ المجتمعِ الإسلاميّ؛ قضيّةُ نظامِ الحُكمِ والإمامةِ في المجتمعِ الإسلاميّ» .

ولذلك، فإنّ كلّ محاولات الاستهداف اليوم، سواءٌ عبر الحرب أو الإعلام أو الحصار أو التشويه، تهدف إلى ضرب عنصر القوّة الحقيقيّ في هذه الأمّة: وعيها وثقتها بقيادتها وخياراتها، لكنّ التجارب أثبتت أنّ هذه الأمّة كلّما اشتدّت عليها الضغوط ازدادت تماسكاً.

إنّ البيئة التي تقدّم أبناءها شهداء، وتصبر على الدمار، وتحتضن المقاومة برغم المعاناة، لا يمكن كسرها بسهولة؛ لأنّها لا تتحرّك بدافع المصلحة الضيّقة فقط، بل بدافع العقيدة والانتماء والكرامة، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «لَا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِه» ، فنحن لسنا مع الحقّ لأنّه الأقوى إعلاميّاً أو سياسيّاً، بل لأنّه الحقّ الذي أمر الله به.

مسؤوليّتنا في زمن الحرب والفتنة
أيّها الإخوة والأخوات،
في زمن الفتن، تصبح الكلمة مسؤوليّة، والموقف مسؤوليّة، والثبات مسؤوليّة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .

إنّ المطلوب منّا اليوم: أن نحفظ وحدة مجتمعنا، أن نرفض التحريض والانقسام، أن نكون سنداً للنازحين والمتضرّرين، أن نربّي أبناءنا على العزّة والثقة بالله، أن لا نستسلم للحرب النفسيّة، أن نتمسّك بخيار الحقّ مهما بلغت التضحيات، وقد ربّانا الإمام الحسين (عليه السلام) قائلاً: «ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعيّ قد ركز بين اثنتين؛ بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة» . فهذه المدرسة الحسينيّة هي التي تحفظ روح الأمّة، وتجعلها قادرةً على مواجهة الطغيان مهما امتلك من قوّة.

ختاماً،
بين الأضحى والغدير تتجلّى معاني الإسلام الكبرى: التضحية، والطاعة، والولاية، والعدل، والثبات.

إنّ الأمّة التي تتمسّك بهذه القِيَم لا يمكن أن تُهزَم، مهما اشتدّت عليها المحن. وقد علّمنا أهل البيت (عليهم السلام) أنّ طريق الحقّ قد يكون مليئاً بالتضحيات، لكنّه الطريق الذي يحفظ الكرامة والإنسانيّة والدين؛ فلنثبت على هذا النهج، ولنكن أوفياء لدماء الشهداء، ولصبر أهلنا، ولأمانة هذه القضيّة، قال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ .

نسأل الله سبحانه أن ينصرنا على أعدائنا، وأن يرحم شهداءنا، ويشفي جرحانا، ويردّ النازحين إلى بيوتهم سالمين، وأن يجعلنا من المتمسّكين بولاية محمّد وآل محمّد (صلوات الله عليهم أجمعين).

02-06-2026 | 16-39 د | 3 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net