الحمد لله الذي جعل في كلّ زمان حجّة، وفي كلّ عصر نوراً يهدي إلى الحقّ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين، مصابيح الدجى وسفن النجاة.
نبارك لوليّ أمر المسلمين الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه)، ولشهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، ولمراجعنا وقادتنا العِظام، وللأمّة الإسلاميّة جمعاء، ذكرى ولادة صاحب العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء) في الخامس عشر من شهر شعبان، سنة 255 للهجرة، سائلين المولى أن يعجّل فرجه الشريف، وأن يجعلنا من أنصاره وأعوانه، وأن يكرمنا بالشهادة بين يديه.
أيّها المؤمنون،
إنّ القضيّة المهدويّة ليست تاريخاً يُروى، أو فكرةً تُناقش، إنّما هي عقيدة حيّة في وجدان الأمّة، وعهدٌ بيننا وبين الله، وأملٌ يتنفّس به المظلومون، هي قضيّة المهديّ المنتظر (عليه السلام)، الذي سيخرج في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً.
إنّ الإيمان بالقضيّة المهدويّة هو قراءة واعية لوعد الله في كتابه، وسُنّة نبيّه، وسيرة أوليائه، وهو إيمان بأنّ العدل ليس حلماً مستحيلاً، بل مشروعاً إلهيّاً مؤجّل الظهور.
يقول شهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه): «نتحدّث عن المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه)؛ لأنّه هو الأمل، وباب الرحمة المفتوح أمام هذه الأمّة، وباب النصر الموعود. فعندما نعود إلى كتب المسلمين الحديثيّة، سوف نجد أنّ الكثير من الأحاديث المرويّة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تُنبئ بهذه الفكرة. فأصل المسألة أنّه في آخر الزمان سوف يخرج قائدٌ مسلمٌ عظيمٌ كبيرٌ، ليملأ الأرض كلّها قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً، هو أمرٌ مجمَعٌ عليه في كتب المسلمين ورواياتهم ولا نقاش فيه»[1].
مِن وُلد فاطمة والحسين (عليهما السلام)
إنّ عقيدتنا بالإمام المهديّ (عليه السلام) ليست رأياً اجتهادياً وُلِد من خيال الناس، ولا أسطورةً صنعتها العواطف، بل هي حقيقة إلهيّة ثابتة الجذور، ضاربة في عمق الوحي والرسالة، ومتّصلة بسلسلة الإمامة التي افتُتِحت بأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وخُتِمت بالحجّة بن الحسن (عجّل الله فرجه).
لقد أجمعت روايات المسلمين على أنّ المهديّ ليس رجلاً مجهول النسب، بل هو من عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ومن صميم بيت النبوّة، ومِن وُلد فاطمة الزهراء (عليها السلام)، كما قال النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله): «المهديُّ من عترتي، من وُلدِ فاطمة ابنتي»[2]، وفي حديثٍ آخر أشار (صلّى الله عليه وآله) إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقال: «فعند ذلك خروجُ المهديّ، وهو رجلٌ مِن وُلدِ هذا»[3].
إنّ هذا النسب هو إعلانٌ صريح بأنّ المهديّ وارث الرسالة، وحامل لواء النبوّة، وامتدادٌ لخطّ الإمامة الذي لم ينقطع منذ يوم الغدير. إنّ كونه من ولد فاطمة (عليها السلام) يعني أنّه سليل الطهر المحمّديّ، ونتاج الدم الذي نطق بالحقّ في كربلاء، ووارث الثورة التي رفعها الإمام الحسين (عليه السلام) بوجه الظلم والطغيان.
ثمّ تُحدِّد الروايات بوضوح أنّه من نسل الإمام الحسين (عليه السلام)، ليكون ظهوره استمراراً مباشراً لنهضة كربلاء، لا خروجاً منفصلاً عنها، فقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو ينظر إلى ابنه الحسين (عليه السلام): «إنّ ابني هذا سيّدٌ كما سمّاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سيّداً، وسيُخرِج اللهُ تعالى من صلبِه رجلاً باسم نبيِّكم، يُشبهه في الخَلْق والخُلُق، يخرج على حين غفلةٍ من الناس، وإماتةٍ للحقّ، وإظهارٍ للجور»[4].
وعليه، فإنّ الإيمان بالإمام المهديّ (عليه السلام) هو ارتباط وجدانيّ وعقائديّ وتاريخيّ ببيت النبوّة، وتجديد للعهد مع خطّ عليّ والحسين، واستمرار لمعركة الحقّ ضدّ الباطل إلى آخر الزمان. هو إيمانٌ بأنّ الدم الذي سُفِك في كربلاء لم يُهزَم، وأنّ الرسالة التي حوربت ستعود لتحكم الأرض بالعدل والإنصاف، كما حُكمت بالظلم والجور.
الإمام المهديّ مولودٌ وحاضرٌ بيننا
وإنّ من الركائز الجوهريّة في عقيدتنا أنّ الإمام المهديّ (عليه السلام) ليس فكرةً مؤجّلة، ولا رمزاً ذهنيّاً لمستقبلٍ غامض، بل هو حقيقة حيّة متحقّقة: مولودٌ، موجودٌ، يعيش بين الناس، وإن خفيت شخصيّته عن الأبصار. فانتظارنا له ليس انتظار أمنية، بل انتظار إنسان واقعيّ معيّن، له اسمٌ ونسبٌ معروف، وأبٌ وأمٌّ محدّدان، وهو حجّة الله القائمة في أرضه.
وهذه الحقيقة تؤكّدها الروايات الصحيحة، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): «لا بدّ لصاحب هذا الأمر من غَيبة، ولا بدّ له في غَيبته من عُزْلَة، ونِعْمَ المنزل طَيْبَة[5]، وما بثلاثين من وحشة»[6].
تُثبت هذه الرواية جملةً من الحقائق العقديّة المهمّة: أنّ له غيبةً لا تعني العدم، بل تعني الخفاء، وأنّه موجود في الأرض بين الناس، لا خارج دائرة الحياة الإنسانيّة، وأنّ له ارتباطاً بنخبةٍ من الصالحين، وأنّه ليس منفرداً ولا منقطعاً عن المجتمع البشريّ.
وقول الإمام (عليه السلام): «وما بثلاثين من وحشة» يكشف عن وجود جماعةٍ من المؤمنين يلتقي بهم (عليه السلام) في غيبته، وهم ممّن يتلقَّون عنه التوجيه والأمر، ويشكّلون مجموعةً من أوليائه وأنصاره، فتكون الغيبة حضوراً غير مكشوف، وليست غياباً أو تعطيلاً.
يقول الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه): «إنّ خصوصيّة اعتقادنا نحن الشيعة هي أنّنا قد بدّلنا هذه الحقيقة في مذهب التشيّع من حالة الأُمْنيَة والأمر الذهنيّ المحض، إلى حالة واقعيّة موجودة. الحقيقة هي أنّ الشيعة عندما ينتظرون المهديّ الموعود، فإنّهم ينتظرون اليد المنجية تلك، ولا يغرقون في عالم العقليّات، بل يبحثون عن الواقعيّة، وهي موجودة»[7].
هنا تتجلّى خصوصيّة الاعتقاد الشيعيّ، وهي نقل فكرة المهدويّة من مستوى الأمل الذهنيّ والتصوّر العقليّ المجرّد إلى مستوى الحقيقة التاريخيّة والواقعيّة القائمة. فنحن لا ننتظر مفهوماً غامضاً، بل ننتظر اليد المنقذة الموجودة فعلاً، حجّة الله الحيّة التي تعيش بين الناس، ترى آلامهم، وتشهد انكساراتهم، وتشعر بمعاناتهم. وغيبته هي حضورٌ بوجهٍ غير مكشوف، كما كان يوسف حاضراً في مصر ولم يعرفه إخوته، وكما غاب موسى عن قومه أربعين ليلة.
الحكمة من الغيبة سرٌّ إلهيّ
حين تطول الغيبة، لا يكون السؤال عن غياب الإمام، بل عن ثبات الإيمان في زمن الغياب؛ فالغيبة ليست انقطاعاً عن مشروع الله، بل مرحلة من مراحله الكبرى، ووجهٌ من وجوه حكمته في إدارة التاريخ، تُختبَر بها القلوب، وتُمحَّص بها النفوس، كما جرى في غيبة الخضر ويوسف وموسى (عليهم السلام)، فعن عبد الله بن الفضل الهاشميّ، قال: سمعتُ الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) يقول: «إنّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بدّ منها، يرتاب فيها كلُّ مُبطِل»، فقلت له: ولِمَ؟ جُعِلتُ فداك! قال: «لأمرٍ لم يُؤذَن لنا في كشفه لكم»، قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ قال: «وجه الحكمة في غيبته، وجه الحكمة في غيبات مَن تقدّمه من حجج الله تعالى ذكره، إنّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلّا بعد ظهوره، كما لم ينكشف وجه الحكمة في ما أتاه الخضر (عليه السلام) من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار لموسى (عليه السلام) إلى وقت افتراقهما. يابن الفضل، إنّ هذا الأمر أمرٌ من (أمر) الله تعالى، وسرٌّ من سرّ الله، وغيبٌ من غيب الله، ومتى علمنا أنّه عزّ وجلّ حكيم، صدّقنا بأنّ أفعاله كلّها حكمة، وإن كان وجهها غير منكشف»[8]، وهنا يربط الإمام (عليه السلام) بين غيبة المهديّ وغيبة الخضر، وبين أفعال الله التي لا تُفهم حكمتها إلّا بعد حين. فالغيبة امتحانٌ للإيمان، وتمحيصٌ للقلوب، وفرزٌ للثابت من المتزلزل، كما قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾[9].
ختاماً
إنّ الإيمان بالإمام المهديّ (عليه السلام) هو مسؤوليةٌ أخلاقيّة، ووعيٌ تاريخيّ، واستعدادٌ دائم للعدل الإلهيّ القادم. فانتظار الفرج ليس أن نعدّ الأيّام، بل أن نصنع القِيَم، وأن نرفض الظلم.
إنّ الإمام الغائب حاضرٌ في ضمائر المؤمنين، حيٌّ في مشروع الله، شاهدٌ على أعمالنا، ينتظر من شيعته أن يكونوا صورةً من عدله، وصدىً لثورته، وامتداداً لنهج جدّه الحسين (عليه السلام).
فمن كان ينتظر المهديّ حقّاً، فليكن مع الحقّ حيثما كان، وليكن مع المظلوم، وليجعل من نفسه جنديّاً في مشروع الإصلاح قبل الظهور.
لقد وعد الله المستضعفين بالاستخلاف، ووعد الصالحين بوراثة الأرض، ووعد المؤمنين بزوال الظلم، وليس وعد الله إلّا سنّة تتحقّق حين يكتمل الاستعداد في القلوب والعقول والمجتمعات، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾[10].
اللهمّ، اجعلنا من المنتظرين الصادقين، ومن الممهِّدين لدولته، ومن العاملين بعدله، ولا تجعلنا من المتزلزلين في زمن الغيبة، ولا من الغافلين عن عهدك. اللهمّ، عجّل لوليّك الفرج والنصر والعافية، واجعلنا من أنصاره وأعوانه والمستشهدين بين يديه.
[1] من كلامٍ له (رضوان الله عليه)، بتاريخ 11/03/2003م.
[2] القاضي النعمان المغربيّ، شرح الأخبار، ج3، ص395.
[3] الشيخ الطوسيّ، الغَيبة، ص185.
[4] النعمانيّ، الغَيبة، ص222.
[5] أي المدينة المنوّرة.
[6] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج1، ص340.
[7] من كلامٍ له (دام ظلّه)، بتاريخ 17/08/2008م.
[8] الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ص482.
[9] سورة العنكبوت، الآية 2.
[10] سورة الأنبياء، الآية 105.









