الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1512 17 شوال 1443 هـ - الموافق 19 أيار 2022م

التواصل مع الآخر

ومِنّا أسدُ اللهكلمة الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) في لقاء الأساتذة والمعلِّمينالمُجاهَدة الدائمةمراقباتسُلوك المؤمِنمراقباتفَلا مَنْجَى مِنْكَ إلاّ إِلَيْكَمراقباتالمعُافَاة في الأَديانِ والأَبدان

 
 

 

التصنيفات

العدد 1492 25 جمادى الأولى 1443 هـ - الموافق 30 كانون الأول 2021م

أثر الولاية في أعمال الإنسان

تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق


(الحاج قاسم سليماني نموذجاً)

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.

إنّ لكلّ اعتقادٍ في القلب أثراً في حركة الإنسان وسلوكه، ولا يمكن تفكيك ذاك الارتباط الوثيق بين ما يؤمن به المرء في قلبه وما يظهر على صفحات سلوكه وظاهره في هذه الحياة، فتُترجم المعتقداتُ الباطنيّة في أعمال الإنسان وأفعاله، ولا ينحصر ذلك في ما يتعلّق بالمعتقدات الحقّة، بل تشمل أيضاً المعتقداتِ الباطلة كذلك، مضافاً إلى تبدّل نمط التفكير أيضاً لدى صاحب الاعتقاد وتغيّره، وهذا كلّه من آثار العقيدة في حياة الإنسان.

الولاية
إنّ الولايةَ المأمور بها والمأمور بطاعة أهلها، كما في قوله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيل﴾[1]، هي من تلك المعتقدات التي لا بدّ للمرء من الالتزام بها؛ لما لها من أثار عظيمة في حياة الإنسان الدنيويّة، سواء أكان على مستوى الفرد أم الجماعة، وكذلك في حياته الآخرة التي أعظم الله -تعالى- مقامَ أهلها والملتزمين بها.

وليست الولايةُ أمراً قلبيّاً فحسب، بل هي مقرونة بالعمل والفعل، فولاية الله وولاية أوليائه من الأنبياء والمرسلين والأئمّة الأطهار (عليهم السلام أجمعين)، إنّما تعني الالتزام والانقياد لكلّ ما يأمر به سبحانه، وما سار (عليهم السلام) عليه وأرشدونا إليه، من خلال سيرتهم وأقوالهم التي تؤكّد هذا المعنى المتضمّن للولاية، عن الإمام الباقر (عليه السلام): «لا تذهب بكم المذاهب، فوالله ما شيعتنا إلّا من أطاع الله عزّ وجلّ»[2].

وعنه (عليه السلام) -أيضاً- في حديثٍ طويل: «يا جابر، والله ما نتقرّب إلى الله -تبارك وتعالى- إلّا بالطاعة، وما معنا براءة من النار، ولا على الله لأحد من حجّة، من كان لله مطيعاً فهو لنا وليّ، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدوّ، وما تُنال ولايتنا إلّا بالعمل والورع»[3].

بل إنّ الحبَّ الذي لا يُترجم بالطاعة، لا فائدة منه ولا جدوى، وقد ورد في القرآن الكريم ما يؤكّد حقيقة الحبّ الذي ينبغي للمؤمن أن يكون عليه، قال -سبحانه-: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[4]، فالولاية فرع الحبّ الحقيقيّ، والتي لا تنفكّ عن الاتّباع في الأقوال والأفعال.

يقول الإمام الخمينيّ (قُدِّس سرُّه): «إنّ الاعتقادَ بمشروعيّة تسويد صحف الأعمال، اتّكالاً على محبّتهم وولايتهم (عليهم السلام)، مصيبةٌ من المصائب الكبيرة، وافتراءٌ وسوءُ فهم، وهو ما لا يدعو إليه المعصوم (عليه السلام)، بل في منتهى البعد عن هذا المعنى».

عن أحد أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال له: حديثٌ رُوي لنا، أنّك قلت: إذا عرفت فاعمل ما شئت، فقال (عليه السلام): «قد قلتُ ذلك»، قال: قلتُ: وإن زنوا، وإن سرقوا، وإن شربوا الخمر؟! فقال لي: «إنّا لله وإنا إليه راجعون! والله، ما أنصفونا أن نكون أُخِذنا بالعمل ووُضع عنهم، إنّما قلت: إذا عرفت فاعمل ما شئت من قليل الخير وكثيره، فإنّه يُقبَل منك»[5].

إنّ هذه الأحاديثَ المباركة توضح المعنى الحقيقيّ للولاية، وأنّها ليست مجرّد قول باللّسان، إنّما هي فعل وتطبيق، فمن كان موالياً فلا بدّ من أن يكون ملتزماً ومنقاداً للوليّ، وتكون حركته كلّها في الحياة منسجمةً مع ما ينشده الوليّ من أمور، فيمتثل ما يأمره به وينتهي عمّا ينتهي عنه.

الدفاع عن الإسلام والمسلمين أمر إلهيّ
وممّا أمر الله به عباده، الجهاد في سبيله، ويتجسّد ذلك في أجلى مظاهره بأن يجاهد المرء في سبيل حفظ دينه المبارك، وحفظ عباده والمؤمنين به، وهو من أجلّ الأعمال وأعظمها التي لها فضل عظيم، قال -سبحانه-: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمً﴾[6].

وقال -تعالى-:﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُون﴾4.

فمن الولاية أن أسلك طريق الجهاد إذا ما وجدتُّ خطراً محدِقاً بالدين والأمّة، بأهلها وأرضها ومقوّماتها الاقتصاديّة والثقافيّة وغير ذلك، فإنّ كلّ خطر قد يؤدّي إلى إضعاف الأمّة الإسلاميّة، مهما كان نوعه وشكله وأسلوبه، يجب النهوض في سبيل مواجهته.
فالموالون حقّ الولاية لا يتردّدون في سلوك طريق الجهاد، مهما كان صعباً وشاقّاً، حتّى لو بذلوا في سبيل ذلك مهجهم وأرواحهم وأموالهم.

وقد تُمتحَن ولاية الناس، ويظهر مدى التزامهم باتّباع طريق أهل البيت (عليهم السلام) ومنهجهم، في مثل تلك المواطن؛ فالمتزلزلون في ولايتهم يتقاعسون عمّا يرَونه تكليفاً في مواجهة الأخطار المحدقة بالإسلام والأمّة، أمّا الثابتون فيُقدِمون على الجهاد بكلّ قوّة وعزيمة وإرادة، ولا يخافون في الله لومة لائم.

الحاج قاسم سليماني نموذجاً
من النماذج الرائدة في الجهاد والذود عن الإسلام والأمّة على الساحة الإسلاميّة في هذا العصر، شخصيّة الحاج الشهيد قاسم سليماني (رضوان الله عليه)، فقد كان نموذجاً يُحتذى به في تجسيد الولاية الحقيقيّة لأهل بيت العصمة (عليهم السلام)، إذ ارتبط بهم ارتباطاً فكريّاً وقلبيّاً وسلوكيّاً، وترجم ذلك الارتباط في ساحات الجهاد والحرب، وفي ميادين المعرفة والسلوك نحو الباري سبحانه وتعالى، وهذا ما جعل من شخصيّته وصفاته الطيّبة أسوة حسنة للشباب المسلم، إذ كانوا ينظرون إليه وهو في حياته وكذلك بعد شهادته قدوة لهم في النخوة والغيرة على الإسلام والأمّة الإسلاميّة، وفي الإخلاص والشجاعة والقوّة والإرادة.

الانقياد للقيادة
وإذا كانت الولاية كما ذكرنا، فهي كما تجري بحقّ المعصومين (عليهم السلام)، كذلك تجري بحقّ وليّ أمر المسلمين في غياب المعصوم؛ ولذلك نرى كيف كان الشهيد قاسم سليمانيّ منقاداً وملتزماً بأوامر قيادته العليا المتمثِّلة بالوليّ الفقيه، ولم يسجّل له تاريخه الجهاديّ الطويل إخفاقاً هنا أو اعتراضاً هناك على ما ترتئيه القيادة من قرارات.

وقد سجّل في وصيّته ما يدلّ على مدى ارتباطه بالإمام الخامنئيّ (دام ظلّه)، إذ كتب قائلاً: «إخواني وأخواتي الإيرانيّين الأعزّاء، أيّها الشعب الشامخ والمُشرِّف الذي ترخص روحي وأرواح أمثالي آلاف المرّات لكم، كما أنّكم قدّمتم مئات آلاف الأرواح لأجل إيران والإسلام، فلتحافظوا على المبادئ. المبادئ تعني الوليَّ الفقيه، خاصّة هذا الحكيم، المظلوم، الورع في الدين، والفقه، والعرفان والمعرفة؛ فلتجعلوا الخامنئيَّ العزيز عزيزَ أرواحكم، ولتنظروا إلى حرمته كحرمة المقدّسات».

من وصيّته
ومن جميل ما تركه (رضوان الله عليه) بعد كلّ ما قضاه في ساحات الجهاد على طول عمره المبارك، تلك الكلمات التي نصّ عليها في وصيّته، إذ تضمّنَت معانيَ رائعةً في حبّ الله والاعتراف بالتقصير بين يديه، وأنّه مع كلّ ما يشعر به من تقصير، لا يفقد الأملَ في الرحمة الإلهيّة الواسعة! كتب (رضوان الله عليه):

«إلهي، قدماي مترنّحتان، لا رمق فيهما، لا جرأة لهما على عبور الصراط الذي يمرّ فوق جهنّم! فقدماي ترتعشان حتّى على الجسر العاديّ، فالويل لي أمام صراطك الذي هو أرفع من الشعرة وأحدّ من السيف؛ لكنّ بصيص أملٍ يُبشّرني بإمكانيّة أن لا أتزعزع، وقد أنجو. لقد تجوّلتُ بهاتين القدمين في حرمكَ، وطفتُ حول بيتكَ، وركضتُ حافياً في حرم أوليائك وبين الحرمين، بين حرمي حسينكَ وعبّاسك؛ كما أنّني ثنيتُ هاتين الرجلين في المتاريس لمدّة طويلة، وركضتُ، وقفزتُ، وزحفتُ، وبكيتُ، وضحكتُ وأضحكتُ، وبكيتُ وأبكيتُ، ووقعتُ ونهضتُ، لأجل الدفاع عن دينك. آملُ أن تصفح عنّي لأجل تلك القفزات وذلك الزحف وبحرمة تلك الحرمات».


[1] سورة النساء، الآية 59.
[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص73.
[3] المصدر نفسه، ج2، ص74.
[4] سورة آل عمران، الآية 31.
[5] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص464.
[6] سورة النساء، الآية 95.

29-12-2021 | 16-02 د | 451 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net