الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1495 17 جمادى الثانية 1443 هـ - الموافق 20 كانون الثاني 2022 م

السيّدة الزهراء (عليها السلام) في فكر الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه)

مراقباتجاذبيّة الإمام الخمينيّ (قُدِّس سرّه)سُلوك المؤمِنمراقباتفَلا مَنْجَى مِنْكَ إلاّ إِلَيْكَمراقباتالمعُافَاة في الأَديانِ والأَبدانمراقباتالإستِعانَة بِالله عَزَّ وجَلّ

 
 

 

التصنيفات
أسباب الاختبار الإلهي وطرقه
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق
 

بسم الله الرحمن الرحيم

يقول تعالى: (ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصبرين، الذين إذا أصبتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوت من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) .

الدنيا دار اختبار إلهي:

بعد ذكر مسألة الشهادة في سبيل الله، والحياة الخالدة للشهداء، ومسألة الصبر والشكر... وكلها من مظاهر الاختبار الإلهي، تعرضت هذه الآية للاختبار الإلهي العام، ولمظاهره المختلفة، باعتباره سنة كونية لا تقبل التغيير: ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقض من الأموال والأنفس والثمرات. ولما كان الانتصار في هذه الاختبارات، لا يتحقق إلا في ظل الثبات والمقاومة، قالت الآية بعد ذلك وبشر الصابرين. فالصابرون هم الذين يستطيعون أن يخرجوا منتصرين من هذه الامتحانات، لا غيرهم.
الآية التالية تعرف الصابرين وتقول: الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون. الإقرار التام بالعبودية المطلقة لله، يعلمنا أن لا نحزن على ما فاتنا، لأنه سبحانه مالكنا ومالك جميع ما لدينا من مواهب، إن شاء منحنا إياها، وإن استوجبت المصلحة أخذها منا، وفي المنحة والمحنة مصلحة لنا. والالتفات المستمر إلى حقيقة عودتنا إلى الله سبحانه، يشعرنا بزوال هذه الحياة، وبأن نقص المواهب المادية ووفورها غرض زائل، ووسيلة لارتقاء الإنسان على سلم تكامله، فاستشعار العبودية والعودة في عبارة إنا لله وإنا إليه راجعون له الأثر الكبير في تعميق روح المقاومة والاستقامة والصبر في النفس. واضح أن المقصود من قول هذه العبارة ليس ترديدها باللسان فقط، بل استشعار هذه الحقيقة، والالتفات إلى ما تنطوي عليه من توحيد وإيمان. وآخر آية في بحثنا هذا، تتحدث عن الألطاف الإلهية الكبرى، التي تشمل الصابرين الصامدين المتخرجين بنجاح من هذه الامتحانات الإلهية: أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة .

هذه الصلوات والرحمة تجعل هؤلاء على بصيرة من أمرهم، في مسيرتهم الحياتية المحفوفة بالمزالق والأخطار، لذلك تقول الآية: وأولئك هم المهتدون. وبهذه العبارات المختصرة المقتضبة، يطرح القرآن مسألة الامتحان الكبير بأبعاده المختلفة، وعوامل النجاح فيه ونتائجه.

أ‌- لماذا الاختبار الإلهي؟

في مجال الاختبار الإلهي تطرح بحوث كثيرة، وأول ما يتبادر للذهن في هذا المجال هو سبب هذا الاختبار. فنحن نختبر الأفراد لنفهم ما نجهله عنهم. فهل أن الله سبحانه وتعالى بحاجة إلى مثل هذا الاختبار لعباده، وهو العالم بكل الخفايا والأسرار؟! وهل هناك شئ خفي عنه حتى يظهر له بهذا الامتحان؟!

والجواب أن مفهوم الاختبار الإلهي يختلف عن الاختبار البشري. اختباراتنا البشرية - هي كما ذكرت آنفا - تستهدف رفع الإبهام والجهل، والاختبار الإلهي قصده " التربية ". في أكثر من عشرين موضعا تحدث القرآن عن الاختبار الإلهي، باعتباره سنة كونية لا تنقض من أجل تفجير الطاقات الكامنة، ونقلها من القوة إلى الفعل، وبالتالي فالاختبار الإلهي من أجل تربية العباد، فكما أن الفولاذ يتخلص من شوائبه عند صهره في الفرن، كذلك الإنسان يخلص وينقى في خضم الحوادث، ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الصعاب والتحديات. الاختبار الإلهي يشبه عمل زارع خبير، ينثر البذور الصالحة في الأرض الصالحة، كي تستفيد هذه البذور من مواهب الطبيعة وتبدأ بالنمو، ثم تصارع هذه البذرة كل المشاكل والصعاب بالتدريج، وتقاوم الحوادث المختلفة كالرياح العاتية والبرد الشديد والحر اللافح، لتخرج بعد ذلك نبتة مزهرة أو شجرة مثمرة، تستطيع أن تواصل حياتها أمام الصعاب. ومن أجل تصعيد معنويات القوات المسلحة، يؤخذ الجنود إلى مناورات وحرب اصطناعية، يعانون فيها من مشاكل العطش والجوع والحر والبرد والظروف الصعبة والحواجز المنيعة. وهذا هو سر الاختبارات الإلهية. يقول سبحانه في موضع آخر من كتابه العزيز: وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور . ويقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في بيان سبب الاختبارات الإلهية: "... وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم، ولكن لتظهر الأفعال التي بها يستحق الثواب والعقاب" . أي أن الصفات الكامنة لا يمكن أن تكون وحدها معيارا للثواب والعقاب، فلابد أن تظهر من خلال أعمال الإنسان، والله يختبر عباده ليتجلى ما يضمرونه في أعمالهم، ولكي تنتقل قابلياتهم من القوة إلى الفعل، وبذلك يستحقون الثواب أو العقاب. لو لم يكن الاختبار الإلهي لما تفجرت هذه القابليات، ولما أثمرت الكفاءات، وهذه هي فلسفة الاختبار الإلهي في منطق الإسلام.

ب‌- الاختبار الإلهي عام:

نظام الحياة في الكون نظام تكامل وتربية، وكل الموجودات الحية تطوي مسيرة تكاملها، حتى الأشجار تعبر عن قابلياتها الكامنة بالأثمار، من هنا فإن كل البشر، حتى الأنبياء، مشمولون بقانون الاختبار الإلهي كي تنجلي قدراتهم. الامتحانات تشمل الجميع وإن اختلفت شدتها وبالتالي تختلف نتائجها أيضا، يقول سبحانه: أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون . القرآن يعرض نماذج لاختبارات الأنبياء إذ يقول: وإذ ابتلى إبراهيم ربه. ويقول في موضع آخر بشأن اختبار سليمان: فلما رآه مستقرا عنده قال: هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر... .


ت‌- طرق الاختبار:

ذكرت الآية أعلاه نماذج مما يختبر به الإنسان، كالخوف والجوع والأضرار المالية والموت... لكن سبل الاختبار الإلهي لا تنحصر بما تقدم فذكر القرآن منها في مواضع أخرى: البنين، والأنبياء، وأحكام الله، بل حتى بعض ألوان الرؤيا: ونبلوكم بالشر والخير . نعلم أن الناس إزاء الاختبارات الإلهية على نوعين: متفوق في الامتحان، وخاسر. فحيثما تسود حالة " الخوف " مثلا، ترى جماعة يتراجعون كي لا يصيبهم سوء، فينفضون أيديهم من المسؤولية، أو يلجأون إلى المداهنة أو التماس الأعذار، كقولهم الذين يحكيه القرآن: نخشى أن تصيبنا دائرة . وثمة جماعة تقف كالطود الأشم أمام كل المخاوف، تزداد توكلا وإيمانا، وهؤلاء الذين يقول عنهم القرآن: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل . وهكذا موقف الناس من ألوان الامتحانات الأخرى، يعرض القرآن نماذج لموقف الناجحين والفاشلين في الاختبار الإلهي، سنتناولها في مواضعها.

ث‌- عوامل النجاح في الامتحان:

هنا يتعرض الإنسان لإستفهام آخر، وهو أنه إذا كان القرار أن يتعرض جميع أفراد البشر للامتحان الإلهي، فما هو السبيل لإحراز النجاح والتوفيق في هذا الامتحان؟ القرآن يعرض هذه السبل في القسم الأخير من آية بحثنا وفي آيات أخرى:

1- أهم عامل للانتصار أشارت إليه الآية بعبارة: وبشر الصابرين، فالآية تبشر بالنجاح أولئك الصابرين المقاومين، ومؤكدة أن الصبر رمز الانتصار.

2- الالتفات إلى أن نكبات الحياة ومشاكلها مهما كانت شديدة وقاسية فهي مؤقتة وعابرة وهذا الادراك يجعل كل المشاكل والصعاب عرضا عابرا وسحابة صيف، وهذا المعنى تضمنته عبارة: إنا لله وإنا إليه راجعون. " كلمة الاسترجاع " هذه خلاصة كل دروس التوحيد، والانقطاع إلى الله، والاعتماد على ذاته المقدسة في كل شئ وفي كل زمان. وأولياء الله ينطلقون من هذا التعليم القرآني، فيسترجعون لدى المصائب كي لا تهزمهم الشدائد، وكي يجتازوا مرحلة الاختبار بسلام في ظل الإيمان بمالكية الله والرجوع إليه. قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في تفسير الإسترجاع: " إن قولنا: إنا لله إقرار على أنفسنا بالملك، وقولنا: إنا إليه راجعون إقرار على أنفسنا بالهلك" .

3- الاستمداد من قوة الإيمان والألطاف الإلهية عامل مهم آخر في اجتياز الاختبار دون اضطراب وقلق وفقدان للتوازن. فالسائرون على طريق الله يتقدمون بخطوات ثابتة وقلوب مطمئنة لوضوح النهج والهدف لديهم. وترافقهم الهداية الإلهية في اختيار الطريق الصحيح، يقول سبحانه: والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا .

4- التدقيق في تأريخ الأسلاف، وإمعان النظر في مواقفهم من الاختبارات الإلهية، عامل مؤثر في إعداد الإنسان لاجتياز الامتحان الإلهي بنجاح. لو عرف الإنسان بأن ما أصيب به ليس حالة شاذة، وإنما هو قانون عام شامل لكل الأفراد والجماعات، لهان الخطب عليه، ولتفهم الحالة بوعي، ولاجتاز المرحلة بمقاومة وثبات. ولذلك يثبت الله سبحانه على قلب نبيه والمؤمنين باستعراض تأريخ الماضين، وما واجهه الأنبياء، والفئات المؤمنة من محن ومصائب خلال مراحل دعوتهم، يقول سبحانه: ولقد استهزئ برسل من قبلك .. ويقول تعالى: ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا .

5- الالتفات إلى حقيقة علم الله سبحانه بكل مجريات الأمور، عامل آخر في التثبيت وزيادة المقاومة. المتسابقون في ساحة اللعب يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أنهم في معرض أنظار أصدقائهم من المتفرجين، ويندفعون بقوة أكثر في تحمل الصعاب. إذا كان تأثير وجود الأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو على ساحة الجهاد والمحنة؟! ما أعظم القوة التي يمنحها هذا الاستشعار لمواصلة طريق الجهاد وتحمل مشاق المحنة! حين واجه نوح (عليه السلام) أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، جاءه نداء التثبيت الإلهي ليقول له: واصنع الفلك بأعيننا . وعبارة " بأعيننا " كان لها - دون شك - وقع عظيم في نفس هذا النبي الكريم، فاستقام وواصل عمله حتى المرحلة النهائية دون الالتفات إلى تقريع الأعداء واستهزائهم. ورد عن سيد الشهداء الحسين بن علي (عليه السلام) أنه قال بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: " هون علي ما نزل بي أنه بعين الله" .

ج‌- الاختبار بالخير والشر:

الامتحان الإلهي لا يجري عن طريق الحوادث الصعبة القاسية فحسب، بل قد يمتحن الله عبده بالخير وبوفور النعمة، كما يقول سبحانه: ونبلوكم بالشر والخير فتنة . ويقول سبحانه على لسان نبيه سليمان: هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر . وهنا ينبغي أن نشير إلى عدة مسائل: أحدها: أنه ليس من الضروري أن يختبر جميع الناس بجميع وسائل الاختبار، بل من الممكن أن يكون اختبار كل فئة بلون من الامتحان يتناسب مع الوضع الفردي والاجتماعي لتلك الفئة. والاخرى: أنه من الممكن أن يجتاز الإنسان بعض الامتحانات، بينما يفشل في امتحانات أخرى. وقد يكون امتحان فرد من الأفراد موضع امتحان فرد آخر، كأن يكون موت ولد لإنسان موضع امتحان أصدقائه وأقاربه، ليرى مدى اتخاذهم موقف المواساة من صاحبهم. وأخيرا، فالاختبار الإلهي - كما ذكرنا - شامل عام يدخل في نطاقه حتى الأنبياء (عليهم السلام)، بل إن اختبارهم بسبب ثقل مسؤوليتهم أشد بكثير من اختبار الآخرين. القرآن الكريم يعرض صورا لاختبارات شديدة مر بها الأنبياء (عليهم السلام) وبعضهم مر بمراحل طويلة شاقة قبل وصوله إلى مقام الرسالة، كي يكون على أتم الاستعداد لتحمل أعباء قيادة أمته. وبين أتباع مدرسة الأنبياء نماذج رائعة للصابرين المحتسبين، كل واحد منهم قدوة على ساحة الامتحان الإلهي. فقد روي " أن أم عقيل كانت امرأة في البادية فنزل عليها ضيفان وكان ولدها عقيل مع الإبل فأخبرت بأنه ازدحمت عليه الإبل فرمت به في البئر فهلك فقالت المرأة للناعي انزل واقض ذمام القوم ودفعت إليه كبشا فذبحه وأصلحه وقرب إلى القوم الطعام فجعلوا يأكلون ويتعجبون من صبرها (قال الراوي) فلما فرغنا خرجت إلينا وقالت يا قوم هل فيكم من يحسن من كتاب الله شيئا؟ فقلت: نعم. قالت: فاقرأ علي آيات أتعزى بها عن ولدي فقرأت: " وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون إلى قوله المهتدون ". " فقالت السلام عليكم، ثم صفت قدميها وصلت ركعات ثم قالت: اللهم إني فعلت ما أمرتني فانجز لي ما وعدتني. ولو بقي أحد لأحد - قال فقلت في نفسي لبقي ابني لحاجتي إليه - فقالت لبقي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لأمته، فخرجت" .


* آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

05-03-2014 | 17-45 د | 2169 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net