الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين

العدد 1494 10 جمادى الثانية 1443 هـ - الموافق 13 كانون الثاني 2022 م

كتمان السرّ

الاعتبار والتقوىالثقة بالوعد الإلهيّ مراقباتسُلوك المؤمِنمراقباتفَلا مَنْجَى مِنْكَ إلاّ إِلَيْكَمراقباتالمعُافَاة في الأَديانِ والأَبدانمراقبات

 
 

 

التصنيفات
وصف الجاهلية في القرآن ونهج البلاغة
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

                                           بسم الله الرحمن الرحيم

الجاهلية فى القرآن الكريم:
إن البداية الطبيعية لتاريخ الاسلام تفرض علينا ان نتعرف اولاعلى حالة العرب قبل الاسـلام كي نتعرف على المناخ والجو الذي انطلقت فيه الدعوة الى الاسلام, وخير كلام في هذا المقام كلام الامام العلا مة الطباطبائي في تفسيره   الميزان قال:

إن القرآن يسمي عهد العرب المتصل بظهور الاسلام بالجاهلية, وليس إلا اشارة منه الى ان الحاكم فـيـهم يومئذ الجهل دون العلم, وان المسيطرعليهم في كل شي الباطل دون الحق, وكذلك كانوا, على مايقص القرآن من شؤونهم:

قال تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّة 1.
وقال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ 2.
وقال: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ 3.
وقال: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى 4.

كانت العرب يومئذ تجاور في جنوبها الحبشة وهي نصرانية, وفي مغربها إمبراطورية الروم وهي نـصرانية ايضا, وفي شمالها الفرس وهم مجوس, وفي غير ذلك مصر والهند وهما وثنيتان, وفي ارضهم طوائف من اليهود وهم وثنيون يعيش اكثرهم عيشـة القبائل, وهذا كله هو الذي اوجد لهم اجـتـمـاعا همجيا بدويا فيه أخلاط من رسوم اليهودية والنصرانية والمجوسية, وهم سكارى في جهالتهم.

وكـانـت الـعـشـائر الـبدو على ما لهم من خسـاسة العيش ودناته يعيشون بالغزوات وشن الغارات واختطاف ما في ايدي الاخرين من متاع او عرض, فلا أمن بينهم ولا أمانة, ولا سلم ولا سلامة, والامر لمن غلب, والملك لمن وضع يده عليه   ومن عز بز.
امـا الـرجـال فالفضيلة بينهم سفك الدماء والحمية الجاهلية والكبر والغرور واتباع الظالمين وهضم حقوق المظلومين, والتعادي والتنافس, والقمار وشرب الخمر والزنا, وأكل الميتة وحشف التمر.

وأما النساء فقد كن محرومات من مزايا المجتمع الانساني لا يملكن من انفسـهن ارادة ولا من اعمالهن عـمـلا, ولا يـمـلـكن ميراثا, ويتزوج بهن الرجال من غير تحديد بحد, كما عند اليهود وبعض الوثنيين, ومع ذلك فقد كن يتبرجن بالزينة ويدعن من احببن الى انفسهن, وفشا فيهن الزنا والسفاح حتى المحصنات المزوجات منهن, ومن عجيب بروزهن ا نهن ربماكن يطفن بالبيت ليلا عاريات من ثيابهن  لأنهن لا يجدن احراما طاهر.

وأمـا الاولاد فـكانوا ينسبون الى الآباء لكنهم لا يورثون صغارا ويذهب الكبار بالارث, ومن الارث زوجة المتوفى, ويحرم الصغار ـ ذكورا أو إناثا ـ والنساء نعم لو ترك المتوفى صغيرا ورثه ولكن الاقوياء يتولون امر اليتيم ويأكلون ماله, ولو كان اليتيم بنتا تزوجوها واكلوا مالها ثم طلقوها وخلوا سـبيلها, فلا مال تقتات به ولا راغب في نكاحها ينفق عليها والابتلاء بأمر الايتام من اكثر الحوادث المبتلى بها بينهم لدوام الحروب والغارات والغزوات فطبعا كان القتل شائعا بينهم.

وكان من شقاء اولادهم ان بلادهم الخربة واراضيهم القفرة البائرة كان يسرع اليها الجدب والقحط, فـكـان الرجل يقتل أولاده خشية الاملاق: ﴿ولاتقتلوا اولادكم خشية املاق5 وكانوا يـئدون الـبـنات: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ 6 وكان من ابغض الاشياء ان يبشر الرجل بالانثى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ 7.

وأمـا وضـع الـحـكومة بينهم: فاطراف الجزيرة وان كانت ربما ملك فيها ملوك تحت رعاية أقوى الـجيران وأقربها كإيران لنواحي الشمال, والروم لنواحي الغرب, والحبشة لنواحي الجنوب, الا ان قرى الاوساط كمكة ويثرب والطائف وغيرها كانت تعيش في وضع اشبه بالجمهورية وليس بها, والـعشائر في البدو بل حتى في داخل القرى كانت تدار بحكومة رؤسائها وشيوخها, وربما تبدل الوضع بالسلطنة.

وهـذا هو الهرج  الفوضى العجيب الذي كان يبرز في كل عدة معدودة منهم بلون, ويظهر في كل نـاحية من أرض شبه الجزيرة بشكل مع الرسوم العجيبة والاعتقادات الخرافية الدائرة بينهم اضف الى ذلك بلاء الأمية وفقدان التعليم والتعلم في بلادهم فضلا عن العشائر والقبائل.

وكـل هـذا الذي ذكرناه من أحوالهم واعمالهم والعادات والمراسيم الدائرة بينهم هو مما يستفاد من سـياق الايات القرآنية والخطابات التي تخاطبهم بها, اوضح افادة, فتدبر في المقاصد التي ترومها الآيـات والـبـيـانـات الـتـي تـلقيها اليهم بمكة اولاً, ثم بعد ظهور الاسلام وقوته بالمدينة ثانياً, وفي الاوصاف التى تصفهم بها, والامور التي تذمها منهم وتلومهم عليها, والنواهي المتوجهة اليهم في شـدتـهـا وضعفها، اذا تاملت كل ذلك تجد صحة ماذكرناه والتاريخ كذلك يذكر كل ذلك ويعرض من تـفـاصـيـلـه مـا لـم نـذكـره, لإجمال الآيات الكريمة وإيجازها القول فيه وأوجز كلمة وأوفاها لإفـادة مجمل هـذه المعاني ما سمى القرآن به هذا العهد   الجاهلية فقد أجمل في معناها كل هذه التفاصيل.. هذا حال عالم العرب ذلك اليوم.

وأما العالم المحيط بهم ذلك اليوم من الفرس والروم والحبشة والهند وغيرهم, فالقرآن يجمل القول فيه ايضا.
أمـا اهـل الـكـتـاب منهم اعني اليهود والنصارى ومن يلحق بهم  من المجوس والصابئة فقد كانت مـجـتـمعاتهم تدار بالاهواء الاستبدادية والتحكمات الفردية من الملوك والرؤساء والحكام والعمال, فـكـانـت مـقـتـسمة طبعا الى طبقتين: طبقـة حاكمة فعالة لما تشاء, تعبث بالنفس والعرض والمال وطـبـقة محكومة مستعبدة مستذلة لا أمن لها في مال ولا عرض ولا نفس ولا حرية ولا إرادة إلا ما وافـق مـن يـفـوقـهـا وقد كانت الطبقة الحاكمة استمالت علماء الدين وحملة الشـرع وائتلفت بهم, واخذت مجامع قلوب العامة وافكارهم بايديهم, فكانت بالحقيقة هي الحاكمة في دين الناس ودنياهم, تحكم في دين الناس كيفما ارادت بلسان العلماء واقلامهم, وفي دنياهم بالسوط والسيف.

هـذا وقـد انقسمت الطبقة المحكومة ايضا حسب قوتها في السطوة والثروة فيما بينهم, الى طبقتي الاغـنياء المترفين والضعفاء والعجزة والعبيد, والى رب البيت ومربوبيه من النساء والاولاد, وكذا الـى الـرجـال الـمـالكين لحرية الارادة والعمل في جميع شؤون الحياة والى النساء المحرومات من جميع ذلك والتابعات للرجال محضا والخادمات لهم فيما ارادوه منهن من غير استقلال ولو يسيرا.

ومجمل هذه الحقيقة يظهر من قوله سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ 8, وكذا قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ9 , وقوله في النساء: ﴿أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ 10, وفيما اوصى به في التزويج بالفتيات والاماء: ﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ 11.

الجاهلية في نهج البلاغة:
وبـعـد استعراض هذه الايات من القرآن الكريم بشان الجاهلية يكفينا ان نتذكر بعض ماجا عن علي  عليه السلام في   نهج البلاغة في ذلك:
"وانـتـم مـعـشـر الـعرب على شر دين وفي شر دار, منيخون بين حجارة خشن وحيات صم, تـشـربـون الـكدر وتأكلون الجشب, وتسفكون دماكم وتقطعون ارحامكم, الاصنام فيكم منصوبة والاثام فيكم معصوبة" 12.

"والـنـاس ضـلا ل فـي حـيـرة, وحـاطبون في فتنة, قد استهوتهم الاهواء واستزلتهم الكبرياء واستخفتهم الجـاهلية الجهلاء, حيارى في زلزال من الامر وبلاء من الجهل" 13.

"والاحـوال مـضطربة, والأيدي مختلفة, والكثرة متفرقة, في بلاء ازل واطباق جهل: من بنات موؤدة واصنام معبودة وارحام مقطوعة وغارات مشنونة" 14.

الشيخ محمد هادي اليوسفي الغروي


1-- آل عمران: 154.
2- المائدة: 50.
3 - الفتح: 26.
4 - الاحزاب: 33.
5- الاسراء: 31.
6 - التكوير: 8, 9.
7 - النحل: 58, 59.
8- آل عمران: 64.
9 - الحجرات: 13.
10- آل عمران: 195.
11- النسا: 25 الميزان 4: 151 ـ 154.
12 - نهج البلاغة, الخطبة: 91.
13 - الخطبة: 95.
14- الخطبة: 187.

01-03-2013 | 12-06 د | 1527 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net