الثبات طريق النصر
هدف الموعظة
تعزيز الثقة بالله ووعده، وترسيخ روح الثبات والعمل والأخذ بالأسباب في مواجهة الشدائد.
محاور الموعظة
1. النصر مسؤوليّة
2. الثبات وقت الشدّة
3. التوكّل والعمل
4. الثقة بوعد الله
تصدير الموعظة
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[1].
لم تكن بدر معركةً متكافئة في ظاهر الحسابات؛ فقد كان المسلمون أقلّ عدداً وعدّةً، ومع ذلك تحوّل الضعف المادّيّ إلى قدرة على الصمود والانتصار. والقرآن الكريم يقدّم لنا معركة بدر بوصفها شاهداً على قاعدة مهمّة، ألا وهي أنّ القوّة الحقيقيّة لا تُقاس دائماً بما تملكه اليد، بل بما يستند إليه القلب والإيمان والثقة بوعد الله تعالى. لكنّ الثقة بالله لا تعني انتظار النصر من دون عمل، ولا إلغاء الأسباب، بل تعني أن يأخذ المؤمن بالأسباب كلّها، ثمّ لا يجعل قلبه أسيراً لها.
النصر مسؤوليّة
يربط القرآن الكريم النصر الإلهيّ بموقف المؤمن ومسؤوليّته، فيقول تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾[2]. فالنصر ثمرة موقفٍ يقوم فيه المؤمن بنصرة الدين والحقّ، ويؤدّي ما عليه من مسؤوليّة، ويبذل ما يستطيع من جهد. ومن هنا، فإنّ الثقة بوعد الله تعالى بالنصر لا تعني عدم العمل والسعي، بل تعني اليقين بأنّه تعالى لا يضيع عمل العاملين، وأنّ الحقّ لا يفقد قيمته ومكانته بقلّة أنصاره، وأنّ قوّة الباطل وكثرة أهله لا تجعله حقّاً، يقول تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾[3].
وقد عبّر أمير المؤمنين (عليه السلام) عن هذا الترابط بين نصرة الله وبذل الوسع في عهده إلى مالك الأشتر: «وأَنْ يَنْصُرَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِقَلْبِهِ ويَدِهِ ولِسَانِهِ، فَإِنَّهُ -جَلَّ اسْمُهُ- قَدْ تَكَفَّلَ بِنَصْرِ مَنْ نَصَرَهُ»[4]؛ لذلك فإنّ المؤمن ينبغي أن يسأل عن الحقّ، وعن أداء التكليف والمسؤوليّة، وعن بذل الوسع والجهد في نصرة الله تعالى.
الثبات وقت الشدّة
وإنّ من أخطر ما يواجه الإنسان في أوقات الشدّة أن يتحوّل الضغط إلى سببٍ للتراجع والوهن؛ ولذلك جعل القرآن الكريم الثبات من أسباب الفلاح، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[5]. يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه): «يجب الثبات، والعمل عليه، وعدم إضاعة الطريق، والتوجّه دوماً نحو الهدف، والمواظبة على التقدّم. فلو حصلت هذه الأمور، ستتوالى الانتصارات»[6]. والثبات هو أن يحافظ الإنسان على موقفه والتزامه بالحقّ والواجب، وأن يواصل أداء مسؤوليّته مهما اشتدّت الضغوط وارتفعت الكلفة. فالخوف والتعب قد يحضران في لحظات الشدّة، لكنّهما لا يحدّدان موقف الإنسان ولا يدفعانه إلى ترك الحقّ أو الاستسلام لليأس؛ ولهذا ربط القرآن الكريم بين الصبر والغلبة، فقال: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾[7].
فالصبر قوّةٌ تحفظ للإنسان قدرته على الاستمرار في أداء الواجب برغم الكلفة، والثبات هو ترجمة هذه القدرة في الموقف والعمل. وقد يخسر الإنسان جولة، أو يتأخّر الفرج، أو تتعقّد الظروف، لكنّ هذه التحوّلات لا تسقط وعد الله، ولا تبرّر التراجع عن الحقّ؛ لأنّ معيار الثبات هو الاستمرار في أداء التكليف، لا غياب الصعوبات أو سرعة الوصول إلى النتائج.
التوكّل والعمل
مضافاً إلى الثبات، لا بدّ من التوكّل على الله؛ والتوكّل يجمع بين الثقة به تعالى والأخذ بالأسباب التي أوجبها التكليف، فالقرآن الذي يربّي المؤمن على الاعتماد على الله هو نفسه الذي يأمره بالإعداد والاستعداد، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾[8]. وفي بدر، جمع المسلمون بين الأمرين؛ فبذلوا ما استطاعوا من أسباب، وأدّوا ما عليهم من مسؤوليّة، ثمّ تعلّقت قلوبهم بالله وانتظروا النصر منه. وهنا تتكامل المعادلة: يبذل المؤمن أقصى ما يستطيع في العمل والاستعداد، ويترك النتائج لله؛ لأنّ النصر والتوفيق وتحقيق الغايات بيده سبحانه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾[9].
فالآية تربط بين الجهاد والهداية إلى السبل، بما يؤكّد أنّ الطريق ينفتح أمام من يتحرّك ويبذل ويجاهد، وأنّ التوكّل الحقيقيّ يبعث على العمل ولا يبرّر العجز أو انتظار النتائج من دون بذل الأسباب. وكلّما اشتدّت الظروف، ازداد المؤمن تمسّكاً بهذه المعادلة: عملٌ جادّ بالأسباب، وثقةٌ كاملة بالله، وتسليمٌ له في النتائج.
الثقة بوعد الله
بعد ذلك كلّه، تأتي الثقة بوعد الله لتمنح المؤمن قدرةً على مواصلة الطريق، حتّى مع تأخّر النتائج واشتداد الأزمات. فالوعد الإلهيّ يرتبط بسننٍ وشروطٍ ومراحل، ولا يعني تحقّق النتيجة في الزمن الذي يحدّده الإنسان أو بالطريقة التي يتوقّعها. لذلك يبقى المؤمن ثابتاً في عمله، مطمئناً إلى وعد ربّه، ومتهيّئاً لتحمّل كلفة الطريق، قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾[10]. فالإنسان المؤمن يتألّم، لكنّ الألم لا يقطع رجاءه؛ ويتعب، لكنّ التعب لا يوقفه عن أداء واجبه؛ وتتأخّر النتائج، لكنّه يحافظ على مبدئه ولا يستبدل الثبات بمكسبٍ عاجل. وهذا الرجاء هو الذي يمنح الصبر معناه، ويجعل الاستمرار في العمل ممكناً حتى في أصعب الظروف؛ ولهذا جاء الأمر الجامع: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[11].
والثقة بالله تمنح الإنسان وعياً دقيقاً بمسؤوليّته؛ فهو يعمل ضمن قدرته، ويجتهد في إصابة الحقّ، ويثبت على تكليفه، ويترك للّه تعالى تقدير النتائج. وقد يخطئ في التقدير، أو يخسر جولة، أو يواجه ما يفوق إمكاناته، لكنّ ذلك كلّه لا يسقط مسؤوليّته ولا يقطع صلته بالله. وهذا من أعمق دروس بدر: لم تكن قيمة المؤمنين في كثرة الإمكانات، وإنّما في اجتماع الإيمان مع العمل والصبر والثبات. فإذا اجتمع الإيمان والعمل والصبر والثبات، امتلك الإنسان ما يعينه على مواجهة الشدائد من دون أن يفقد بوصلته؛ لأنّه يستند إلى وعد الله، ويؤدّي ما عليه، ويثق بأنّ العاقبة والنتائج بيد الله. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، وهذه المعيّة الإلهيّة هي أعظم ما يستند إليه المؤمن في طريق الحقّ.
[1] سورة آل عمران، الآية 123.
[2] سورة محمّد، الآية 7.
[3] سورة آل عمران، الآية 139.
[4] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، مصدر سابق، ص427، الكتاب 53.
[5] سورة الأنفال، الآية 45.
[6] من كلامٍ له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 09/01/2012م.
[7] سورة الأنفال، الآية 66.
[8] سورة الأنفال، الآية 60.
[9] سورة العنكبوت، الآية 69.
[10] سورة النساء، الآية 104.
[11] سورة آل عمران، الآية 200.









