إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
هدف الموعظة
بيان معنى الأخوّة الإيمانيّة في العلاقات، وحثّ المؤمنين على بناء صلاتٍ قائمة على المودّة والاحترام والتواصل، وتجنّب القطيعة والجفاء، والمبادرة إلى الإصلاح عند وقوع الخلاف.
محاور الموعظة
1. الأخوّة مسؤوليّة
2. التواصل يحفظ المودّة
3. الخلاف لا يبرّر القطيعة
4. الإصلاح يحفظ الأخوّة
تصدير الموعظة
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[1].
يضع القرآن الكريم الأخوّة بين المؤمنين في موقعٍ متقدّم من بناء المجتمع؛ فلا يجعلها مجرّد شعورٍ داخليّ أو عنوانٍ يُقال، بل يربطها مباشرةً بمسؤوليّة الإصلاح. فالمؤمن يعيش مع الآخرين بروح الأخوّة، ويحفظ علاقاته معهم، ويتفقّد أحوالهم، ويصِلهم، ويحتوي الخلاف معهم، ويسعى إلى إصلاح ما يفسد بينهم. ومن هنا، فإنّ جودة علاقات الإنسان بالناس جزءٌ من حقيقة إيمانه؛ لأنّ الإيمان الذي يسكن القلب ينبغي أن يظهر أثره في طريقة التعامل مع الآخرين.
الأخوّة مسؤوليّة
الأخوّة الإيمانيّة هي رابطةٌ تجعل للمؤمن حرمةً ومكانةً في قلب أخيه، وتفرض عليه أن يحفظ هذه العلاقة في حضوره وغيابه، وفي الرضا والغضب، وفي أوقات الاتّفاق والاختلاف.
يقول الله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾[2]، فحُسن الكلام أصلٌ في بناء العلاقات، والكلمة الطيّبة قد تفتح باباً للمودّة، بينما الكلمة الجارحة قد تترك أثراً طويلاً في النفس؛ ولهذا اهتمّ الإسلام بأدقّ تفاصيل العلاقة بين الناس: بحسن الظن، وحفظ الكرامة، واحترام الآخر، والابتعاد عن السخرية والإهانة، وحفظ اللسان، والتعامل بالرفق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ﴾[3].
فالإنسان قد يلتزم كثيراً من العبادات، لكنّ علاقته بالناس تكشف جانباً مهمّاً من حقيقة سلوكه الإيمانيّ: كيف يتحدّث مع أهله؟ كيف يعامل جاره؟ كيف يتعامل مع صديقه عندما يختلف معه؟ هل يحفظ الودّ عند الخصومة؟ وهل يستطيع أن يختلف من دون أن يهدم العلاقة؟ هذه الأسئلة تدخل في صميم الأخوّة التي يريدها الإسلام.
التواصل يحفظ المودّة
إنّ العلاقات بين المؤمنين لا تبقى حيّةً من تلقاء نفسها؛ فهي تحتاج إلى تواصلٍ ورعاية. وكثير من القطيعة لا تبدأ بخلافٍ كبير، وإنّما تبدأ بانقطاع السؤال، ثمّ طول الغياب، ثمّ تراكم العتب، حتّى يصبح التواصل نفسه ثقيلاً على الطرفين، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «الجفاء يفسد الإخاء»[4]؛ ولذلك جاءت الشريعة بالتأكيد على صلة الناس والتواصل معهم، ولا سيّما الأرحام، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾[5]، وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنّ صلة الرحم تزكّي الأعمال، وتنمّي الأموال، وتيسّر الحساب، وتدفع البلوى، وتزيد في الرزق»[6].
والصلة ليست محصورةً في الزيارات الطويلة أو اللقاءات المتكرّرة؛ فقد تكون بسؤالٍ صادق، أو اتّصالٍ للاطمئنان، أو رسالةٍ في وقتها، أو مبادرةٍ تزيل وحشة الغياب. والمقصود أن تبقى جسور العلاقة مفتوحة، وألّا نسمح للانشغال أو العتب أو اختلاف الطباع بأن يحوّل القريب إلى غريب.
ومن المهمّ أن ندرك أنّ العلاقات الجيّدة لا تعني كثرة المخالطة دائماً، بل تعني حفظ المودّة والاحترام وحسن التواصل. فقد تقلّ اللقاءات بحكم الظروف، لكنّ القلب يبقى حاضراً، والسؤال قائماً، والودّ محفوظاً.
الخلاف لا يبرّر القطيعة
الاختلاف جزءٌ من الحياة؛ فالناس يختلفون في طباعهم وآرائهم وتقديراتهم، وقد يقع بينهم سوء فهم أو عتاب أو خصومة. والمشكلة تبدأ عندما يتحوّل الخلاف من موقفٍ عابر إلى قطيعةٍ طويلة، ومن اختلافٍ في الرأي إلى إسقاطٍ للآخر وإلغاءٍ لمكانته؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾[7]. إنّ الآية لا تفترض غياب الإساءة أو الخلاف، وإنّما تعلّم المؤمن كيف يتعامل معه. فليس كلّ خلاف يحتاج إلى قطيعة، وليس كلّ إساءة تستدعي ردّاً مماثلاً، وليس كلّ موقفٍ يحتاج إلى استحضار الأخطاء القديمة. أحياناً يكون حفظ العلاقة أهمّ من الانتصار في النقاش، ويكون التنازل عن بعض ما نحبّ أهون من خسارة إنسانٍ تجمعنا به أخوّة أو رحم أو صداقة.
ومن الأخطاء التي تفسد العلاقات أن يجعل الإنسان كرامته مرتبطةً بأن يكون هو المبادر دائماً، أو أن ينتظر اعتذار الآخر قبل أن يخطو خطوةً نحو الإصلاح. وقد يكون الطرفان ينتظران المبادرة نفسها، فيطول الجفاء بسبب عنادٍ يستطيع أحدهما إنهاءه بكلمة؛ ولذلك يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيّته: «احْمِلْ نَفْسَكَ مِنْ أَخِيكَ عِنْدَ صَرْمِه عَلَى الصِّلَةِ، وعِنْدَ صُدُودِه عَلَى اللَّطَفِ والْمُقَارَبَةِ، وعِنْدَ جُمُودِه عَلَى الْبَذْلِ، وعِنْدَ تَبَاعُدِه عَلَى الدُّنُوِّ، وعِنْدَ شِدَّتِه عَلَى اللِّينِ، وعِنْدَ جُرْمِه عَلَى الْعُذْرِ، حَتَّى كَأَنَّكَ لَه عَبْدٌ وكَأَنَّه ذُو نِعْمَةٍ عَلَيْكَ، وإِيَّاكَ أَنْ تَضَعَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِه، أَوْ أَنْ تَفْعَلَه بِغَيْرِ أَهْلِه»[8].
الإصلاح يحفظ الأخوّة
لقد أعقب القرآن الكريم عبارة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ بأمرٍ صريح ومباشر، فقال تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾؛ وهذا يكشف أنّ حفظ العلاقات مسؤوليّة تحتاج إلى مبادرة، خصوصاً عندما تتعرّض للخلل، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: إصلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة والصوم»[9].
وإنّ إصلاح ذات البين قد يبدأ بخطوةٍ صغيرة: أن تبادر بالسلام، أو تتّصل بمن انقطعت عنه، أو تعتذر عن كلمةٍ أخطأت فيها، أو تقبل اعتذاراً قُدّم إليك، أو تنقل كلاماً طيّباً بدل أن تنقل ما يزيد الخصومة، وقد يكون الإصلاح أحياناً بأن نمتنع عن نقل الكلام الذي يوسّع الخلاف، أو أن نرفض الدخول في خصومةٍ لا تعنينا.
لكنّ مسؤوليّة الإصلاح لا تقع دائماً على المتخاصمَين وحدهما؛ فحين تقع القطيعة بين اثنين، يبقى للمحيطين بهما دورٌ في رأب الصدع وتقريب القلوب. من هنا، فإنّ المجتمع المؤمن معنيٌّ بحفظ علاقاته الداخليّة، ولا يصحّ أن يتحوّل الخلاف بين شخصين إلى قطيعةٍ اجتماعيّة أوسع؛ لأنّ ترك الخصومة تستفحل يوسّع أثرها، بينما التدخّل الحكيم في الوقت المناسب قد يحفظ علاقةً ويمنع جفاءً طويلاً، وقد جعل القرآن الكريم الإصلاح شأناً يتوجّه إلى الجماعة، فقال تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾[10]، فالأمر بالإصلاح لم يُوجَّه إلى المتخاصمين فقط، بل إلى من حولهما أيضاً.
قال الله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾[11]، وعندما تصبح المبادرة إلى الصلح، وحفظ المودّة، وصلة الناس، وحسن التعامل، والسعي إلى الإصلاح بين المتخاصمين، ثقافةً في حياتنا، يصبح المجتمع أقرب إلى الصورة التي أرادها الله تعالى له: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾؛ فالإسلام يريد إنساناً يعبد الله، وفي الوقت نفسه يحمل همّ عباده؛ يصلح، ويعين، ويواسي... عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «الخلق كلّهم عيال الله، وأحبّهم إلى الله عزّ وجلّ أنفعهم لعياله»[12].
[1] سورة الحجرات، الآية 10.
[2] سورة البقرة، الآية 83.
[3] سورة الحجرات، الآية 11.
[4] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، ص50.
[5] سورة النساء، الآية 1.
[6] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص157.
[7] سورة فُصِّلت، الآية 34.
[8] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص403، الكتاب 31.
[9] الشيخ الطوسيّ، الأمالي، ص522.
[10] سورة الحجرات، الآية 9.
[11] سورة النساء، الآية 128.
[12] الحميريّ القمّيّ، قرب الإسناد، ص120.









