الزهراء (عليها السلام) بين محراب العبادة وبناء الأمّة
الحمد لله ربّ العالمين، الذي جعل الإيمان نوراً للقلوب، والصبر زاداً للمؤمنين، والعدل قواماً للحياة. وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، أدّى الأمانة، ونصح الأمّة، وجاهد في الله حقّ جهاده حتّى أتاه اليقين. اللهمّ صلِّ عليه وعلى آله الطيّبين الطاهرين.
إلى مولانا صاحب العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)، وإلى وليّ أمر المسلمين آية الله السيّد مجتبى الخامنئيّ (دام ظلّه)، والوليّ الشهيد الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)، وشهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، ومراجعنا وقادتنا العظام، والأمّة الإسلاميّة جمعاء، نرفع أسمى آيات العزاء بذكرى شهادة سيّدة نساء العالمين السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وبدء الأيّام الفاطميّة بين الثالث عشر من جمادى الأولى والثالث من جمادى الآخرة.
العبوديّة أساس الكمال
يقول سبحانه في كتابه العزيز: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[1].
تحدّد هذه الآية الغاية من الوجود الإنسانيّ في عبوديّة الله تعالى، التي تقوم على معرفته، والإخلاص له، والالتزام بما يرضيه. والعبوديّة بهذا المعنى منهجٌ متكامل، تتجلّى آثاره في النيّات والسلوكات والمعاملات والمواقف، فتوجّه الإنسان في علاقته بربّه وبالناس والحياة.
وتتجلّى هذه الحقيقة بأسمى صورها في شخصيّة سيّدة نساء العالمين (عليها السلام)، التي بلغت مقاماً رفيعاً في الإيمان والإخلاص والعبادة، وتشهد الروايات الواردة في عبادتها وقيامها في محرابها على عظيم منزلتها عند الله تعالى، فعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «هيَ الحوراءُ الإنسيّةُ، متى قامَتْ في محرابِها بينَ يدَي ربِّها جلَّ جلالُهُ، زهرَ نورُها لملائكةِ السماءِ كما يزهرُ نورُ الكواكبِ لأهلِ الأرضِ، ويقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ لملائكتِهِ: يا ملائكتي، انظروا إلى أَمَتي فاطمةَ سيّدةَ إمائي، قائمةً بينَ يديَّ، ترتعدُ فرائصُها من خيفتي، وقد أقبلَتْ بقلبِها على عبادتي، أُشهِدُكُم أنّي قد أمنتُ شيعتَها منَ النارِ»[2].
وفي بيان عظمة نورها ودلالة سيرتها، يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه): «في روايةٍ: إنّ سطوع نور فاطمة الزهراء (عليها السلام) أدّى إلى أن تنبهر عيون الكرّوبيّين من الملأ الأعلى: «زهرَ نورُها لملائكةِ السماءِ». فماذا نستفيد نحن من هذا النور والسطوع؟ يجب علينا الاهتداء بهذا النجم الساطع إلى الله وإلى طريق العبوديّة الذي هو الصراط المستقيم، الذي سلكته فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فوصلت إلى تلك المدارج والمقامات العالية. فإن جعل الله طينتها طينةً متعالية، فلأنّه كان يعلم أنّها تخرج مرفوعة الرأس من الامتحان في عالم المادّة والناسوت: «امتحنكِ اللهُ الذي خلقكِ قبل أن يخلقكِ، فوجدكِ لما امتحنكِ صابرة»[3]»[4].
يكشف هذا البيان عن حقيقةٍ أساسيّة في فهم مقام السيّدة الزهراء (عليها السلام): أنّ نورها المعنويّ يرتبط بعبوديّتها الخالصة لله، وبصبرها وثباتها في الامتحان الإلهيّ. ومن هنا، فإنّ الاقتداء بها يقتضي الاهتداء بسيرتها في طريق العبوديّة، واستلهام ما تجلّى فيها من إخلاصٍ وتضحيةٍ وصبرٍ على الشدائد.
وبقدر ما تتعمّق صلة الإنسان بالله، تنعكس آثارها على سلوكه، فيتحرّى العدل، ويصون كرامة الآخرين، ويؤدّي ما عليه من واجبات. ومن مقتضيات العبادة الصادقة رعاية حقوق الناس، ومقاومة الظلم، والتواضع أمام الخلق، وإغاثة المحتاجين؛ فهذه القيم من ثمار الإيمان وآثار التقوى في حياة الإنسان. وتشتدّ الحاجة إلى هذه المعاني في الشدائد، فالدعاء يعزّز الرجاء، والعمل يجسّد تحمّل المسؤولية، والصبر يعين على مواجهة الشدائد، والتقوى تحفظ البصيرة واستقامة الموقف تحت الضغوط. ومن الوفاء للسيّدة الزهراء (عليها السلام) أن تتحوّل محبّتها إلى التزامٍ عمليّ بأخلاقها وقيمها، فالمحبّة الصادقة تترسّخ في السلوك، وتكتسب مصداقيّتها من العمل، وتظهر آثارها في حياة الفرد والمجتمع.
أثر التشريع في صلاح الإنسان والمجتمع
أيّها المؤمنون،
إنّ من أبرز المحطّات في حياة السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، بعد رحيل أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، خطبتها الفدكيّة التي تكشف لنا عمق معرفتها وعلمها، ودقّة فهمها لمقاصد الشريعة الإسلاميّة، ووعيها لمسؤوليّتها في مرحلةٍ مفصليّة من تاريخ الأمّة.
وفي بيان عمق هذه الخطبة ومكانتها العلميّة والبلاغيّة، يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه): «كانت فاطمة الزهراء (عليها السلام) عالمةً عظيمة، فتلك الخطبة الّتي ألقتها في مسجد المدينة بعد رحيل النبيّ، هي خطبة -بحسب كلام العلّامة المجلسيّ- يحتاج فطاحل الفصحاء والبلغاء والعلماء إلى أن يجلسوا ليفسّروا معاني كلماتها وعباراتها، لقد كانت بمثل هذا العمق»[5].
استهلّت (عليها السلام) بيانها بالتوحيد والثناء على الله تعالى، ثمّ انتقلت إلى بيان الحكمة من جملةٍ من الفرائض والتشريعات، فقالت: «فَجَعَلَ اللهُ الإيمانَ تَطهيراً لَكُم مِنَ الشِّركِ، وَالصَّلاةَ تَنزيهاً لَكُم عَنِ الكِبرِ، وَالزَّكاةَ تَزكِيَةً لِلنَّفسِ وَنَماءً في الرِّزقِ، وَالصِّيامَ تَثبيتاً لِلإخلاصِ، وَالحَجَّ تَشييداً لِلدّينِ، وَالعَدلَ تَنسيقاً لِلقُلوبِ»[6].
تكشف هذه الكلمات عن رؤيةٍ متكاملةٍ لوظيفة الدين في حياة الإنسان والمجتمع؛ إذ إنّ التشريع الإلهيّ يستهدف بناء الإنسان في عقيدته وأخلاقه وسلوكه، وتنظيم علاقاته على أساس الحقّ والعدل؛ فالإيمان يصون التوحيد، والصلاة تهذّب النفس من الكِبر، والزكاة تحقّق تزكيتها وتنمّي الرزق، والصيام يرسّخ الإخلاص، والحجّ يشيّد دعائم الدين، والعدل يحقّق الانسجام في العلاقات الإنسانيّة والاجتماعيّة.
وتتّضح هذه الصلة بين الاستقامة الدينيّة وصلاح المجتمع في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾[7]، فالآية تربط بين الإيمان والتقوى من جهة، ونزول البركات من جهة أخرى، بما يبرز أثر الاستقامة في حياة الجماعة ومصيرها. فالإيمان حين يتحوّل إلى تقوى وسلوكٍ مسؤول، يهيّئ المجتمع لنيل البركات، ويؤسّس لحياةٍ يسودها العدل والتكافل وصيانة الحقوق.
ومن هنا، تنبع أهمّيّة بيان السيّدة الزهراء (عليها السلام) من أنّه يربط بين الالتزام الدينيّ وبين آثاره العمليّة، ويجعل العبادات والتشريعات عناصر متكاملةً في بناء الفرد وإصلاح المجتمع. فبقدر ما تترسّخ مقاصد الدين في النفوس، تنمو قيم التواضع والتكافل والإنصاف، وتستقيم العلاقات الاجتماعيّة، ويقوى المجتمع على مواجهة التحدّيات.
إنّ هذه الرؤية تضعنا أمام مسؤوليّة استحضار مقاصد الدين في واقعنا، ولا سيّما في أوقات المحن والأزمات؛ إذ تشتدّ الحاجة إلى إيمانٍ يثبّت الإنسان، وعبادةٍ تهذّب سلوكه، وتكافلٍ يحفظ كرامة المحتاج، وعدلٍ يصون الحقوق ويمنع الاستئثار والظلم. فصلاح المجتمع ثمرةٌ لاستقامة أفراده، حين تتحوّل التعاليم الإلهيّة إلى التزامٍ عمليّ، وتغدو القيم الدينيّة أساساً في تنظيم الحياة والعلاقات.
أسس انتظام الأمّة
أيّها المؤمنون،
تنتقل السيّدة الزهراء (عليها السلام) بعد الحديث عن مقاصد الفرائض والتشريعات إلى بيان الأسس التي تحفظ انتظام الأمّة ووحدتها، فتقول: «وَطاعَتَنا نِظاماً لِلمِلَّةِ، وَإمامَتَنا أَماناً للفُرقَةِ، وَالجِهادَ عِزّاً لِلإسلامِ، وَالصَّبرَ مَعونَةً عَلى استيجابِ الأَجرِ، وَالأَمرَ بِالمَعروفِ مَصلَحَةً لِلعامَّةِ»[8].
إنّ هذه الكلمات تكتسب دلالتها التاريخيّة والعقديّة من السياق الذي أُلقيت فيه؛ فقد وجّهت الزهراء (عليها السلام) خطبتها إلى المسلمين بعد رحيل رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، في مرحلةٍ شهدت خلافاً حول المرجعيّة والقيادة من بعده، وفي ظلّ عدم التزام قطاعٍ من الأمّة -وفق الرؤية الإماميّة- بوصيّته (صلّى الله عليه وآله) في أمر الولاية والإمامة. وفي هذا السياق، جاء تأكيدها أنّ طاعة أهل البيت (عليهم السلام) تحفظ نظام الأمّة، وأنّ إمامتهم تمثّل ضمانةً لوحدتها وصونها من التفرّق والانحراف.
تكشف هذه الفقرة عن تصوّرٍ مترابطٍ لبناء الأمّة؛ فالولاية والإمامة تؤمّنان مرجعيّةً إلهيّة تحفظ مسارها، والجهاد يصون عزّتها، والصبر يعينها على تحمّل التكاليف والابتلاءات، والأمر بالمعروف ينهض بمسؤوليّة الإصلاح العامّ. وبذلك تربط الزهراء (عليها السلام) بين سلامة المسار الدينيّ واستقامة القيادة والمسؤوليّة الجماعيّة في حفظ مصالح الأمّة.
لم يكن بيانها (عليها السلام) مجرّد عرضٍ لمفاهيم دينيّة، بل جاء في سياق موقفٍ عمليّ عبّرت فيه عن رؤيتها لما ينبغي أن تكون عليه الأمّة بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وعن مسؤوليّة المسلمين في صيانة ما أرساه من هدايةٍ ومرجعيّة.
وهذا المعنى يكتسب أهميّةً خاصّةً في واقع لبنان، حيث تفرض التحدّيات والتهديدات والاعتداءات مسؤوليّاتٍ متعدّدةً على المجتمع. فحماية الناس، وصون الكرامة، ومواجهة الظلم، ورعاية المتضرّرين، والحفاظ على تماسك المجتمع، كلّها قضايا تحتاج إلى وعيٍ ومسؤوليّةٍ وتكاملٍ في الأدوار. كما أنّ مواجهة التحدّيات تستلزم خطاباً واضحاً في تشخيص الخلل، وأميناً في نقل الوقائع، وعادلاً في تحديد المسؤوليّات، وحريصاً على مصالح الناس وحقوقهم.
إنّ الوعي الدينيّ لا ينفصل عن المسؤوليّة العامّة، وقول الحقّ يحتاج إلى علمٍ وبصيرة، كما يحتاج إلى شجاعةٍ وأمانة. فالمواقف تُقاس بسلامة حجّتها، وعدالة مقاصدها، واستقامة وسائلها، وأثرها في صيانة الحقوق وخدمة المجتمع. وهكذا تتحوّل الكلمة المسؤولة إلى أداةٍ للإصلاح، ويغدو الثبات على الحقّ التزاماً يجمع بين وضوح المبدأ وحكمة الأداء.
[1] سورة الذاريات، الآية 56.
[2] الشيخ الصدوق، الآمالي، ص175.
[3] الشيخ الطوسيّ، مصباح المتهجّد، ص711.
[4] الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)، إنسان بعمر 250 سنة، ص139.
[5] المصدر نفسه، ص151.
[6] الشيخ الطبرسيّ، الاحتجاج، ج1، ص134.
[7] سورة الأعراف، الآية 96.
[8] الشيخ الطبرسيّ، الاحتجاج، ج1، ص134.









