وَمَن يَتَّقِ اللَّه
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين، ولا سيّما بقيّة الله في الأرضين، الإمام المهديّ (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).
قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[1].
إنّ التقوى لَهي من أعظم الوصايا التي تكرّرت في القرآن الكريم، حتّى جعلها الله ميزاناً للكرامة، وطريقاً للفلاح، وسبباً للنجاة في الدنيا والآخرة، يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه): «﴿اِتَّقُوا الله﴾[2]؛ بمعنى راعوا الله، وخافوا الله تعالى. لقد رسم لكم خطّاً مستقيماً في هذه الحركة العظيمة من الحياة البشريّة المحفوفة بالمشاكل، كالأرض المزروعة بالألغام التي يُفتَح فيها طريقٌ، ويُقال: إنّ هذا الطريق هو طريق السلامة والأمن، فسيروا في هذا الطريق. هذا هو الصراط المستقيم. مراعاة الله -اِتَّقُوا الله- بمعنى أن تتنبهوا لِئلَّا تنحرفوا عن هذا الطريق، ولا تميلوا ذات اليمين وذات الشمال، لكي لا تقعوا في الابتلاءات والمشكلات»[3].
وللتقوى في القرآن الكريم ثمرات كثيرة وآثار عدّة، غير أنّ من أبلغ ما ورد فيها ما جمعته سورة الطلاق في آياتٍ متتابعة. واللافت أنّ هذه السورة تعالج شؤوناً شديدة الصلة بضعف الإنسان واضطراب حياته، من الفراق، والطلاق، والعدّة، والنفقة، والسكن، وضيق الحال... وفي قلب هذه الأحكام تتكرّر كلمة التقوى، ثمّ تأتي الوعود الإلهيّة:
الأوّل: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾[4].
الثاني: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾[5].
الثالث: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾[6].
يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا
يقول تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾.
المخرج وعد إلهيّ للمتّقين، وهو أوسع من حلٍّ لمشكلة عابرة؛ إنّه فتحٌ للطريق حين تضيق السبل، وإخراجٌ للإنسان من موضع العسر إلى ما فيه فرجٌ وصلاح، يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه): «المخرج بمعنى تحطيم الطرق المسدودة. إذا كانت التقوى موجودة فلن يكون هناك طريق مسدود، لن يكون هناك طريق مسدود في أموركم وشؤونكم»[7].
وقد ورد أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قرأ: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾، فقال: «من شبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، وشدائد يوم القيامة»[8]، وهذا يفتح معنى الآية على مدى أوسع، مفاده أنّ التقوى سبب للنجاة في مراحل وجود الإنسان كلّها، من الدنيا إلى الموت ثمّ الآخرة.
ولذلك، كان أثر التقوى في حياة الإنسان أعمق من معالجة النتائج؛ فهي تضبط اختياراته ومواقفه قبل أن تتراكم النتائج، وتحجزه عن أسباب الهلاك قبل أن يبحث عن طريق للخروج منه؛ فالإنسان قد يمرّ بضيق في المال، أو الأسرة، أو العمل، أو المجتمع، وقد يجد نفسه أمام طريق معقّد لا يُحسِن اجتيازه، فتأتي هذه الآية لتعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان وأزمته: اتقِ الله، وسيجعل الله لك مخرجاً، وعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «لو أنّ السماوات والأرض كانتا رتقاً على عبدٍ، ثمّ اتّقى الله، لجعل الله له منهما فرجاً ومخرجاً»[9].
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ
ثمّ يقول سبحانه: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.
إنّ الرزق الذي يأتي من حيث لا يحتسب الإنسان يذكّره بأنّ تدبير الله أوسع من حساباته، وأنّ أبواب الرزق لا تنحصر في الطريق الذي يتصوّره أو يخطر في باله. لكنّ الآيةَ لا ينبغي أن تُفهم بمعزل عن سنن الله في الحياة؛ فالتقوى لا تعني ترك السعي، والتوكّل لا يعني تعطيل الأسباب.
وهذا المعنى واضح في رواية الإمام الصادق (عليه السلام) حين سأل: «ما فعل عمر بن مسلم؟»، فقال الراوي مجيباً: جُعِلتُ فداك! أقبل على العبادة وترك التجارة، فقال (عليه السلام): «ويحه! أما علم أنّ تارك الطلب لا يُستجاب له؟! إنّ قوماً من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لمّا نزلت: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، أغلقوا الأبواب، وأقبلوا على العبادة، وقالوا: قد كُفينا، فبلغ ذلك النبيَّ (صلّى الله عليه وآله)، فأرسل إليهم، فقال: ما حملكم على ما صنعتم؟! قالوا: يا رسول الله، تُكُفِّل لنا بأرزاقنا، فأقبلنا على العبادة، فقال: إنّه مَن فعل ذلك لم يُستجَب له، عليكم بالطلب»[10].
فالمؤمن يعمل، ويسعى، ويخطّط، ويقوم بتكليفه، ويطلب رزقه من أبوابه المشروعة، ويجعل التقوى ضابطاً لهذا السعي كلّه، وقد ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «لا تموت نفسٌ حتّى تستكمل رزقها؛ فاتّقوا الله عزّ وجلّ، وأجمِلوا في الطلب[11]، ولا يحملنّكم استبطاء شيء من الرزق أن تطلبوه بمعصية الله عزّ وجلّ، فإنّه لا يُنال ما عند الله -جلّ اسمه- إلّا بطاعته»[12].
مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا
ثمّ يقول سبحانه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾.
واليسر ثمرة من ثمرات التقوى في إدارة شؤون الحياة. قد ييسّر الله الطريق، وقد يفتح باباً لم يكن في الحساب، وقد يمنح الإنسان بصيرة في موضع الحيرة، وثباتاً في موضع الخوف، وصبراً في موضع الألم.
وهنا نصل إلى واقعنا الذي نعيشه في لبنان، ونحن نستحضر ذكرى الثامن من تشرين الأوّل، حين بدأت المواجهة على الجبهة اللبنانيّة في سياق العدوان الذي شنّه العدوّ الصهيونيّ على غزّة، وما حملته هذه السنوات من شهداء وجرحى وتضحيات وتهجير ودمار، ومن أثقالٍ حملتها العائلات والمجتمع.
وفي مثل هذه الظروف، تُختبر التقوى في صورتها العمليّة؛ فالتقوى تظهر في الوعي، والصبر، والثبات، وأداء التكليف، وتحمّل المسؤوليّة، وصيانة القيم في زمن الاضطراب، وعدم السماح للألم بأن يتحوّل إلى يأس، ولا للخوف بأن يتحوّل إلى انهيار، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾[13]. في زمن المحن، لا تُقاس التقوى بكثرة الكلام عليها، وإنّما بقدرة الإنسان على أن يبقى ثابتاً على الحقّ، مؤدّياً تكليفَه، حاضراً مع الناس، مستمسكاً بالعروة الوثقى.
وهنا نفهم معنى قوله تعالى: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾، فاليسر الإلهيّ قد يكون في فتح بابٍ بعد انسداده، وقد يكون في منح المؤمن قوةً على حمل الطريق الصعب، وبصيرةً في الموقف، وثباتاً أمام التضحيات، وأملاً يحفظ القلب من القنوط.
لقد مرّ مجتمعنا بسنوات ثقيلة، والسؤال الذي ينبغي أن نوجّهه إلى نفوسنا: ماذا صنعت بنا الشدائد؟ هل زادتنا قرباً من الله؟ هل جعلتنا أكثر رحمةً ورأفةً بالناس؟ أكثر التزاماً بالحقّ؟ أشدّ صبراً؟ أصدق في تحمّل المسؤوليّة؟ إنّ المحنة تكشف معدن الإنسان، والتقوى تمنحه القدرة على تحويل الألم إلى صبر، والخوف إلى ثبات، والتضحية إلى مسؤوليّة، و«إذا تحققت التقوى، فإنّها تصنع الفرَج»[14] كما يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه).
يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا
ثمّ تبلغ الآيات غايتَها: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾.
هنا تبلغ ثمار التقوى غايتها الكبرى؛ فالمخرج من الشدّة، والرزق من حيث لا يحتسب الإنسان، واليسر بعد العسر، كلّها ثمار ترافقه في مسيرة الدنيا، لكن أعظم ما تدّخره التقوى للإنسان هو ما ينتظره عند الله: تكفير السيئات، وتعظيم الأجر، وحسن المصير.
إنّ التقوى تبدأ من تفاصيل الحياة التي قد يغفل عنها كثيرون، لكنّ الله يراها: في مالٍ يدخل إلى أيدينا، وكلمةٍ تخرج من أفواهنا، وحقٍّ نؤدّيه، وأمانةٍ نحفظها، وشهوةٍ نضبطها، وغضبٍ نكظمه، وموقفٍ نختار فيه رضا الله على مصلحة النفس، وهنا يأتي تعريف الإمام الصادق (عليه السلام) للتقوى جامعاً واضحاً لمعناها العمليّ، إذ يقول: «أن لا يفقدك الله حيث أمرك، ولا يراك حيث نهاك»[15].
أيّها الإخوة،
خمس ثمراتٍ تختصرها هذه الآيات: المخرج، والرزق، واليسر، وتكفير السيئات، وتعظيم الأجر. تبدأ آثار التقوى في الدنيا، لكنّ غايتها الكبرى والعظيمة في الآخرة، حيث يقول سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾[16]. وهذه الوعود الإلهيّة كلّها تلتقي عند أصلٍ واحد، كرّرته الآيات بوضوح: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾.
[1] سورة آل عمران، الآية 102.
[2] من ذلك: سورة البقرة، الآية 189.
[3] من كلامٍ له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 14/05/2019م.
[4] سورة الطلاق، الآيتان 2 - 3.
[5] سورة الطلاق، الآية 4.
[6] سورة الطلاق، الآية 5.
[7] من كلامٍ له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 14/05/2019م.
[8] الشيخ الطبرسيّ، تفسير مجمع البيان، ج10، ص43.
[9] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج67، ص285.
[10] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج5، ص84.
[11] أجملوا في الطلب؛ أي اطلبوا الرزق والحاجات برفقٍ واعتدال، ومن غير إفراطٍ أو حرصٍ شديدٍ أو لهاثٍ وراء الدنيا.
[12] المصدر نفسه، ج5، ص83.
[13] سورة آل عمران، الآية 139.
[14] من كلامٍ له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 12/03/2025م.
[15] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج67، ص285.
[16] سورة القمر، الآيتان 53 - 54.









