وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وآله الطاهرين.
جاء في كتابه العزيز: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾[1].
تضع هذه الآية الإنسان أمام حقيقةٍ إيمانيّةٍ راسخة، تشتدّ الحاجة إلى استحضارها في أزمنة الشدائد والمحن: أنّ النصر، وإن ارتبط بالأسباب التي أمر الله بالأخذ بها، فإنّ مصدره الحقيقيّ ومنتهى أمره إلى الله تعالى. فالمؤمن لا يترك التخطيط والعمل، ولا يعطّل السنن والأسباب، بل يبذل وسعه، ويُحسِن الإعداد، ويثبت في الميدان، ويصبر على المشاقّ، ثمّ لا يرى في هذه الأسباب وتأثيرها استقلاليّة عن إرادة الله وتقديره، بل يؤمن بأنّ إثمارها ونتاجها إنّما هو منه سبحانه، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «أبى الله أن يجري الأشياء إلّا بأسباب، فجعل لكلّ شيء سبباً»[2]؛ فحقيقة الإيمان أن نبذل أقصى ما نستطيع في الأسباب، ونعلّق قلوبنا بمسبِّب هذه الأسباب، ونتوكّل عليه، ونوقن أنّ النصر إذا جاء، فإنّما هو من عنده تعالى، وأنّ ما بذلناه لم يكن إلّا سعياً في طريقٍ قدّره الله وأجرى الأمور من خلاله.
إن تنصروا الله
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾[3].
إنّ قوله تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ﴾ ليس معناه أنّ الله سبحانه محتاجٌ إلى نصرة عباده، تعالى عن ذلك، وإنّما المراد نصرة دينه والقيام بأمره وإقامة الحقّ؛ ولذلك فإنّ النصرة تبدأ من بناء الإنسان والمجتمع: بالتقوى والطاعة، والصدق والثبات، ووحدة الكلمة، وتحمّل المسؤوليّة، والبذل. فمَن أراد النصر، لا بدّ من أن يهيّئ في نفسه ومجتمعه مقوّمات الثبات التي تجعله أهلاً لحمل أمانته وحفظ ثماره.
وهذه الحقيقة ترتبط بسنّة قرآنيّة في التغيير، يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾[4]، وقد بيّن أمير المؤمنين (عليه السلام) هذه السنّة، فقال: «وبالله، إنّه ما عاش قومٌ قطّ في غضارةٍ من كرامةِ نِعَم الله في معاش دنيا، ولا دائم تقوى في طاعة الله والشكر لنعمه، فأزال ذلك عنهم، إلّا من بعد تغييرٍ من أنفسهم وتحويلٍ عن طاعة الله، والحادث من ذنوبهم، وقلّة محافظة، وترك مراقبة الله عزّ وجلّ، وتهاون بشكر نعمة الله»[5].
فالتغيير الذي يطلبه القرآن الكريم تغييرٌ في الإيمان والسلوك والمواقف والعلاقات؛ إذ لا يستقيم أن نطلب تغيير الواقع، من دون مراجعة ما في أنفسنا من ضعفٍ أو تقصيرٍ أو خلافٍ أو تعلّقٍ بالدنيا. ومن هنا، فإنّ إصلاح الداخل ليس أمراً منفصلاً عن مسار النصر، بل هو من أسباب الثبات والتمكين؛ ولذلك يكمل أمير المؤمنين (عليه السلام) كلامه، فيفتح باب الرجوع إلى الله، حين بيّن أنّ القوم إذا أدركوا أنّ زوال النعم قد يكون مرتبطاً بما كسبت أيديهم: «فاقلعوا وتابوا وفزعوا إلى الله -جلّ ذكره- بصدقٍ من نيّاتهم، وإقرارٍ منهم بذنوبهم وإساءتهم، لَصفح لهم عن كلّ ذنب، وإذاً لَأقالهم كلَّ عثرة، ولَردَّ عليهم كلَّ كرامةِ نعمة، ثمّ أعاد لهم من صلاح أمرهم وممّا كان أنعم به عليهم كلَّ ما زال عنهم وأُفسِد عليهم»[6].
متى يأتي النصر؟
وإذا كان النصر يحتاج إلى الأخذ بأسبابه وإصلاح النفس والمجتمع، فإنّ ذلك لا يعني أنّ استكمال الأسباب يجعل النتيجة حتميّةً وفق حساباتنا؛ فالأسباب لا تستقلّ بتأثيرها، والنصر في نهاية المطاف بيد الله وتقديره. وقد يمرّ أهل الحقّ بمرحلةٍ تُستنفد فيها الطاقات، وتشتدّ فيها الضغوط، وتتراجع فيها قدرة الإنسان على معرفة مآلات الأحداث، ليظهر في هذه اللحظة معنى الافتقار إلى الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾[7]؛ فالافتقار إلى الله لا يعني تعطيل الأسباب، بل يعني أن نأخذ بها من غير أن نمنحها صفة الاستقلال عن الله؛ فالسلاح سبب، والعلم سبب، والتخطيط والتنظيم سبب، والصبر والثبات ووحدة الصفّ أسباب، لكنّها جميعاً لا تعمل بذاتها استقلالاً عن مشيئة الله وقدرته؛ ولذلك كان المؤمن يجمع بين أمرين: يستفرغ وسعه في الأخذ بالأسباب، ويستفرغ قلبه في التوكّل على الله.
رُوي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «عَرَفْتُ اللَّه سُبْحَانَه بِفَسْخِ الْعَزَائِمِ، وحَلِّ الْعُقُودِ، ونَقْضِ الْهِمَمِ»[8]؛ فحين يتبيّن للإنسان أنّ ما خطّط له لا يجري دائماً كما أراد، وأنّ قدرته على التحكم بالمآلات محدودة، يتجلّى له افتقاره إلى الله، وتنكشف له حقيقة التوحيد في ميدان العمل لا في مجرّد المعرفة، وفي هذا السياق، يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه): «فليكن الأمل متعلّقاً بالله، ولنبذل كلّ همّتنا في ميدان العمل. فلا يجتمع الكسل وعدم السعي مع الأمل برحمة الله. إنّ الهداية الإلهيّة والمدد الربّانيّ واللطف الإلهيّ سيكون عندما نبذل كلّ قوانا -والتي هي لله تعالى- في ميدان العمل، من الفكر والتدبير ومن القوى الجسمانيّة والقدرة العمليّة، ومن الإمكانات والموارد البشريّة العظيمة الموجودة في البلد، فنستعملها كلّها، حينها سيتفضّل الله تعالى حتماً»[9].
ومن هنا، قد يكون تأخّر النصر -مع القيام بالواجب واستفراغ الوسع- جزءاً من الابتلاء الذي يكشف صدق الإيمان ويهذّب التعلّق بالنتائج؛ فالعبد مكلّف بالسعي، لا بالتحكّم في العاقبة؛ ولهذا قال شعيب (عليه السلام): ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾[10].
وهنا تتجلّى حقيقة العبوديّة في طريق النصر: أن يقوم المؤمن بما أوجب الله عليه، ويستفرغ وسعه في تحصيل أسبابه، ثمّ يسلّم لله أمر النتائج ومآلاتها؛ فلا يستعجل النصر فيضعف، ولا يتأخّر فييأس، ولا يرى في الأسباب استقلالاً عن مسبّبها. فهو يبذل كأنّ عليه أن يحقق كلّ شيء، ويتوكّل كأنّ الأمر كلّه بيد الله؛ لأنّ وظيفته السعي والثبات، وأمّا النصر وتوقيته ومآلاته فإلى الله سبحانه.
جاءهم نصرنا
وإذا كان المؤمن مأموراً بأن يبذل وسعه في الأخذ بأسباب النصر، وأن يثبت حين تتأخّر النتائج، فإنّ الامتحان الأصعب يبقى في مرحلة الانتظار؛ حين يطول البلاء، وتشتدّ الضغوط، ويبدو الفرج بعيداً، وهنا يأتي القرآن مجدّداً ليكشف لنا سنّةً أخرى من سنن النصر، يقول تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ﴾[11].
إنّ الآية ترسم لنا أقصى درجات الشدّة: ابتلاءٌ يطول، ومواجهةٌ تستمرّ، وضغطٌ يبلغ غايته، ثمّ يأتي نصر الله. وقد ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام) في تفسيرها أنّ استيئاس الرسل كان من قومهم، أي من إيمانهم واستجابتهم، لا من الله ووعده، حين سأله المأمون: لله درّك أبا الحسن (عليه السلام) فأخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾، قال الرضا (عليه السلام): «يقول الله عزّ وجلّ: حتّى إذا استيأس الرسل من قومِهم، وظنَّ قومُهم أنّ الرسل قد كُذِبوا، جاء الرسلَ نصرُنا»[12]؛ فلا تحمل الآية معنى اليأس من رحمة الله، ولا الشكّ في وعده، وإنّما تصف بلوغ المواجهة مع القوم غايتها، حتّى يأتي النصر في الوقت الذي يقدّره الله.
ومن هنا نفهم لماذا كان اليأس من روح الله مرفوضاً مهما اشتدّت المحنة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾[13]؛ فالمؤمن قد يناله التعب، ويخاف، ويثقل عليه طول الطريق، لكنّه لا يفقد ثقته بالله ولا يقطع رجاءه بنصره؛ لأنّ تأخر النصر ليس دليلاً على غيابه، وشدّة البلاء ليست دليلاً على خذلان الله. ولذلك، حين يبلغ الابتلاء مداه، يأتي الوعد الذي يعيد إلى القلب توازنه: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾[14]؛ فالقرب هنا ليس وعداً بتوقيتٍ يحدّده الإنسان، وإنّما يقينٌ بأنّ النصر داخلٌ في قدرة الله وتدبيره، وأنّ على المؤمن، ما دام قائماً بتكليفه، أن يثبت ولا يستعجل، وأن يعمل ولا ييأس، وأن ينتظر نصر الله بقلبٍ مطمئنٍّ وعملٍ لا ينقطع.
[1] سورة آل عمران، الآية 126.
[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج1، ص183.
[3] سورة محمّد، الآية 7.
[4] سورة الرعد، الآية 11.
[5] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج8، ص256.
[6] المصدر نفسه.
[7] سورة فاطر، الآية 15.
[8] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص511، الحكمة 250.
[9] من كلامٍ له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 09/08/2013م.
[10] سورة هود، الآية 88.
[11] سورة يوسف، الآية 110.
[12] الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج1، ص 179.
[13] سورة يوسف، الآية 87.
[14] سورة البقرة، الآية 214.









