فَآوَى
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين، المبعوث رحمةً للعالمين، أبي القاسم محمّد بن عبد الله، وعلى آله الطيّبين الطاهرين.
نرفع في مستهلّ هذه الخطبة المباركة أسمى آيات التهنئة والتبريك إلى مولانا صاحب العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)، وإلى وليّ أمر المسلمين آية الله السيّد مجتبى الخامنئيّ (دام ظلّه)، والوليّ الشهيد الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)، وشهيد الأمّة سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، وإلى علمائنا ومراجعنا وقادتنا العظام، وإلى الأمّة الإسلاميّة جمعاء، بمناسبة ولادة الرسول الأعظم محمّد (صلّى الله عليه وآله) في السابع عشر من ربيع الأوّل، وولادة حفيده الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) في اليوم نفسه من سنة ثلاثٍ وثمانين للهجرة. إنّها مناسبات تفيض بالعِبر والدلالات، وتشحن قلوبنا بالأمل والثبات، وتدعونا إلى قراءة رسالتنا الإسلاميّة على ضوء تلك القامات المشرقة التي أرسلها الله رحمةً وهدايةً للبشريّة.
أيّها المؤمنون،
قال تعالى في كتابه العزيز، في معرض تعداد نعمه على رسوله الأكرم (صلّى الله عليه وآله): ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾[1].
تربط هذه الآيات بين سيرة النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وبين مسؤوليّة المجتمع تجاه اليتيم؛ فقد ذاق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) اليتم في طفولته، وأحاطه الله برعايته، ثمّ جاء التوجيه القرآنيّ ليجعل رعاية اليتيم جزءاً من أخلاق الرسالة الإسلاميّة: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾. ومن هنا يأتي الحديث عن اليتيم، في ذكرى ولادة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، حديثاً عن خُلُقٍ أصيلٍ من أخلاق نبيّ الرحمة (صلّى الله عليه وآله).
اليتيم في الميزان القرآنيّ
لقد أولى القرآن الكريم اليتيم عنايةً بالغة، وربط حسن التعامل معه بحقيقة التديّن وصدق الالتزام، فقال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾[2]. فالمسألة في المنظور القرآنيّ تتجاوز الإحسان الفرديّ أو تقديم العون عند الحاجة، لتتحوّل إلى مسؤوليّةٍ اجتماعيّة قِوامها إكرام اليتيم، والتواصي برعايته، وصيانة كرامته وحقوقه. ويؤكّد القرآن هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾[3]، فجاء التعبير بـ«الإصلاح» ليضع رعاية اليتيم في إطارٍ أشمل من سدّ حاجاته الآنيّة؛ فهو يشمل حفظ ماله، ورعاية شؤونه، وتعليمه وتربيته، وتأمين احتياجاته، ومساعدته على بناء شخصيّته ومستقبله بما يصون كرامته ويهيّئه لحياةٍ مستقيمةٍ منتجة. وفي المقابل، شدّد القرآن الكريم على حماية أموال الأيتام وصيانة حقوقهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾[4]. ومن مجموع هذه التوجيهات يتبيّن أنّ اليتيم في الرؤية القرآنيّة ليس موضوعاً للإعانة العابرة، بل أمانةٌ تُصان كرامتها، وتُحفظ حقوقها، وتُرعى حاجاتها، ويُعمل على بناء مستقبلها؛ لتكون رعايته مسؤوليّةً دينيّةً واجتماعيّةً متكاملة.
كفالةٌ تقرّب من رسول الله
وتأكيداً لهذه الرؤية القرآنيّة، جعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كفالة اليتيم من الأعمال التي ترفع صاحبها إلى مقام القرب منه في الآخرة؛ فعن الإمام الباقر (عليه السلام: «قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): مَن كفل يتيماً وكفل نفقته، كنت أنا وهو في الجنّة كهاتين. وقرن بين إصبعيه المُسبِّحة[5] والوسطى»[6]. فالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) لا يكتفي ببيان ثواب الكفالة ودخول الجنّة، بل يحدّد لكافل اليتيم مقاماً متميّزاً فيها، هو القرب منه (صلّى الله عليه وآله). ويبيّن شهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) دلالة هذا التعبير النبويّ بقوله: «هذا الحديث ماذا يقول؟ هو لا يعني فقط الدخول إلى الجنّة، هو أيضاً يقول إنّ مقامه في الجنّة في جوار مقام رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وهو أعلى المقامات وأرفعها في تلك الدار؛ ولذلك هو أشار بالإصبعين؛ يعني هو قريب من مقام رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، هذا مقام اليتيم، وقلّما ورد تشبيه من هذا النوع أو تعبير عن درجةٍ أو مقامٍ من هذا النوع في موضوع من الموضوعات»[7].
احفظوا كرامتهم
يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «اللَّه اللَّه فِي الأَيْتَامِ، فَلَا تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ، ولَا يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ»[8]. وفي هذه الوصيّة تأكيدٌ على أنّ رعاية اليتيم مسؤوليّةٌ مستمرّة، تبدأ بسدّ حاجته، وتمتدّ إلى حفظه ورعايته وصيانة كرامته؛ فالكفالة لا تُختزَل في تقديم المال وتأمين النفقة؛ لأنّ اليتم يترك فراغاً في حياة الطفل يحتاج إلى من يملؤه بالرعاية والاحتضان والتوجيه. ولذلك، يحتاج اليتيم إلى مَن يتابع تعليمه وتربيته، ويؤمّن له بيئةً آمنةً ومستقرّة، ويساعده على بناء شخصيّته ومستقبله، ويجنّبه الشعور بالعوز أو الانكسار أمام الآخرين. وقد وضع القرآن الكريم حفظ كرامة اليتيم في صلب مسؤوليّة المجتمع، فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾، والنهي عن قهر اليتيم يتضمّن صيانة مشاعره، وحفظ مكانته، وعدم إشعاره بأنّه أقلّ من غيره بسبب الفقد.
من هنا، فإنّ الكفالة الحقّة هي التي تحفظ لليتيم حقّه وكرامته، وتؤمّن حاجاته، وتتابع تعليمه، وترعى مستقبله، وتخفّف عنه آثار الفقدان، وتحيطه برعايةٍ تجعله يشعر بأنّه جزءٌ عزيزٌ من مجتمعه، وقد رُوي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «ما من مؤمنٍ ولا مؤمنةٍ يضع يده على رأس يتيم ترحّماً له، إلّا كتب اللّه له بعدد كلّ شعرة مرّت عليها يده حسنة»[9]، فحتّى هذه اللمسة الرحيمة جعلها أهل البيت (عليهم السلام) باباً من أبواب الأجر؛ لأنّ رعاية اليتيم في حقيقتها رعايةٌ لإنسانٍ يحتاج إلى الرحمة والاحتواء، وصيانةٌ لكرامته التي أراد الإسلام أن تبقى محفوظةً في كلّ حال.
أيتام الشهداء أمانةٌ مضاعفة
وتتأكّد مسؤوليّة رعاية اليتيم حين يكون يتيمَ شهيدٍ قدّم حياته دفاعاً عن الناس والوطن والمقدّسات؛ فهؤلاء الأبناء يحملون أثر تضحيةٍ عظيمة، ويحتاجون إلى عنايةٍ تحفظ لهم كرامتهم، وتصون مستقبلهم، وتُشعِرهم بأنّ المجتمع الذي ضحّى آباؤهم من أجله لم ينسَهم بعد رحيلهم. ومن الوفاء للشهيد أن تمتدّ الرعاية إلى أسرته، وأن يحظى أبناؤه بعنايةٍ تليق بما قدّمه والدهم.
وتشمل هذه المسؤوليّة أبناء المجاهدين الذين يواصلون طريق التضحية ويعيشون تبعاتها؛ فالعناية بأبنائهم جزءٌ من مساندة مَن يبذل جهده ووقته وحياته في سبيل قضيّته ومجتمعه. ومن صور الوفاء أن يشعر المجاهد بأنّ أسرته وأبناءه في دائرة اهتمام المجتمع، وأنّ ما يتحمّله من أعباء التضحية يجد إلى جانبه مجتمعاً يسانده ويرعى أبناءه.
ومن هنا، فإنّ «كفالة اليتيم» في مجتمعنا ينبغي أن تُفهم بوصفها منظومةً متكاملةً من الوفاء والتكافل؛ تتقدّم فيها رعاية أيتام الشهداء، ويُلتفت فيها إلى أسر المجاهدين وأبنائهم، بما يحفظ كرامتهم ويؤمّن احتياجاتهم ويصون مستقبلهم. فحين يرعى المجتمع أبناء مَن بذلوا أنفسهم في سبيله، فإنّه يُثبت أنّ التضحية لا تنتهي عند لحظة الاستشهاد، وأنّ الوفاء للشهيد يستمرّ في رعاية مَن تركهم أمانةً في أعناقنا.
أسبوعٌ يتحوّل إلى عهد
أيّها المؤمنون، تأتي ذكرى ولادة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لتذكّرنا بسيرة نبيٍّ عرف اليتم في طفولته، ثمّ حمل رسالة الرحمة إلى العالم. وفي هذه المناسبة أعلن شهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) «أسبوع كفالة اليتيم» ليكون فرصةً لتجديد ثقافة التكافل الاجتماعيّ، وإعادة اليتيم إلى دائرة الاهتمام الفعليّ في مجتمعنا؛ فلنجعل هذا الأسبوع بداية مبادرة عمليّة: مَن يستطِع تكفّل يتيم فليبادر، ومَن يستطِع أن يساهم بجزء من نفقته فليساهم، ومَن يملك قدرة على التعليم أو الرعاية أو المتابعة فليقدّم منها. وقد تكون الكفالة كاملة، وقد تكون مساهمة شهريّة، وقد تكون مشاركة في مشروع يضمن التعليم أو العلاج أو حاجات الحياة؛ والمهمّ أن تتحوّل الرغبة في الخير إلى عمل مستمر.
إنّ مجتمعاً يكرّم يتيمه، إنّما يعبّر عن فهمه الحقيقيّ لرسالة النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله). وحين تمتدّ يد المؤمن إلى اليتيم بالرعاية والرحمة، فإنها تستجيب مباشرةً للنداء القرآنيّ: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾.
وفي ذكرى ولادة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فلنجدّد عهدنا بأخلاقه: رحمةً بالضعيف، ورعايةً لليتيم، وحفظاً لكرامته، وتكافلاً يترجم الإيمان إلى مسؤوليّة اجتماعيّة. فهكذا تصبح محبّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سلوكاً يُرى في حياتنا، وتصبح كفالة اليتيم واحدةً من أجمل صور الوفاء لرسالته (صلّى الله عليه وآله).
[1] سورة الضحى، الآيات 6 – 10.
[2] سورة الفجر، الآيتان 17 – 18.
[3] سورة البقرة، الآية 220.
[4] سورة النساء، الآية 10.
[5] المُسبِّحة اسمٌ لإصبع السبّابة؛ أي الإصبع التي تلي الإبهام مباشرة.
[6] السيّد الحميريّ، قرب الإسناد، ص94.
[7] من كلامٍ له (رضوان الله عليه) بمناسبة المولد النبويّ الشريف، بتاريخ 09/01/2015م.
[8] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص421، الكتاب 47.
[9] الشيخ الصدوق، المقنع، ص71.









