الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين
أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْزيارة الأربعين... تجديد العهد وصناعة الهويّةصناعة الإنسان الرساليّ في مدرسة أمير المؤمنين (عليه السلام)الإمام الكاظم (عليه السلام)... صناعة الوعي وبناء المجتمع المقاومالإمام زين العابدين... حارس الإسلام بعد كربلاء مَن كان باذلاً فينا مهجتهعاشوراء... حين يصنع الدم تاريخ الأمّةالخطاب الثقافي (رقم ٥) الخطاب الثقافي (رقم ٤) الخطاب الثقافي (رقم ٣)
من نحن

 
 

 

التصنيفات
أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ

الحمد لله ربّ العالمين، نحمده ونستغفره، ونتوكّل عليه، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون. اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد، مصابيح الدجى، وسفن النجاة، والعروة الوثقى.

إلى مولانا صاحب العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)، وإلى وليّ أمر المسلمين آية الله السيّد مجتبى الخامنئيّ (دام ظلّه)، والوليّ الشهيد الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)، وشهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، ومراجعنا وقادتنا العظام، والأمّة الإسلاميّة جمعاء، نرفع أسمى آيات العزاء بذكرى رحيل خير خلق الله الرسول الأعظم محمّد (صلّى الله عليه وآله).

قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾[1].

أيها المؤمنون...
تحلّ علينا في الثامن والعشرين من شهر صفر ذكرى رحيل خاتم الأنبياء والمرسلين، رسول الرحمة محمّد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله)، وهي من أعظم المصائب على الأمّة الإسلاميّة؛ إذ انقطع برحيله الوحي، وفقدت الأمّة قائدها الإلهيّ الذي أخرجها من الظلمات إلى النور.

غير أنّ القرآن الكريم، وهو يتحدّث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، لم يرد للأمّة أن تقف عند حدود الحزن، مع عِظم هذه الفاجعة، بل أراد أن تنظر إلى ما بعد الرحيل، وأن تدرك أنّ الامتحان الحقيقيّ إنّما يبدأ بالرحيل؛ ولذلك جاءت هذه الآية العظيمة، التي نزلت في غزوة أحد عندما شاع خبر استشهاد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؛ فاضطربت النفوس، وضعُفت الهمم، حتّى أنّ بعضهم ألقى السلاح، وبعضهم قال: لو كان محمّدٌ نبيّاً لما قُتل... فنزل القرآن بقوله سبحانه: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾. فلم يكن المقصود التقليل من شأن النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، حاشاه، وإنّما بيان حقيقة الرسالة؛ وهي أنّ الأشخاص، مهما علت منزلتهم، يرحلون، أمّا الرسالة فلا ينبغي أن ترحل برحيلهم؛ ولهذا لم يقل القرآن: أفإن مات محمّد انتهى الدين؟ بل قال: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾؛ لأنّ الخطر الأكبر إنّما يكمن في موت المبادئ التي جاء بها القائد.

ويعبّر الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه) عن هذه الحقيقة بقوله: «الأشخاص لهم أدوار، ولهم مهام يجب أن يؤدّوها، وتقع على عاتقهم مسؤوليّات مهمّة يجب أن ينهضوا بها، لكنّ النظام لا يعتمد عليهم، وهو قادرٌ على مواصلة طريقه، حتّى وإن لم يكن ذلك الشخص المعيّن موجوداً بينهم.

هذا ما بيّنه الله المتعالي بالنسبة للنبيّ الأعظم، وبالنسبة لأهمّ وأعظم شخصيّة في عالم الوجود: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾؟ تخيّلوا، هذه الآية الشريفة مرتبطة بمعركة أُحد، أي في السنة الثالثة للهجرة. يُنزل الله المتعالي هذه الآية الكريمة، أي إنّه يُحذّر الناس. لهجة هذه الآية هي لهجة اللوم والمؤاخذة، بأنّكم أنتم الذين اضطربتم لشائعة قتل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) مثلاً، وأطلقتم بعض التصريحات، هل لو غاب النبيّ، ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾؟ هذه مؤاخذةٌ قرآنيّة»[2].

رحيل النبيّ لا يعني رحيل الرسالة
إنّ القرآن الكريم لا يتعامل مع رحيل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بوصفه حدثاً استثنائيّاً في تاريخ الرسالات، بل يضعه ضمن السنّة الإلهيّة التي جرت على جميع الأنبياء: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾؛ فمحمّد (صلّى الله عليه وآله) ليس أوّل رسولٍ يرحل عن أمّته، لقد سبقه نوحٌ وإبراهيمُ وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء (عليهم السلام)، لكنّ الامتحان الحقيقيّ في ما صنعته أممهم بعد ذلك: هل حفظوا الرسالة التي تركها أنبياؤهم، أم غلبتهم المصالح والأهواء فضيّعوا الأمانة؟

ولهذا جاء التحذير القرآنيّ مباشرةً من أخطر ما يواجه الأمّة بعد فقد قائدها، وهو التراجع عن المبادئ، فقال تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾. ولم يعبّر القرآن عن هذا التراجع بمجرّد المعصية أو التقصير، بل وصفه بالانقلاب على الأعقاب! وهي صورةٌ بليغةٌ تجسّد الرجوع إلى الوراء بعد التقدّم، والعودة إلى ما أنقذ الله الإنسان منه بالرسالة والهداية.

لقد بيّن لنا أمير المؤمنين (عليه السلام) حقيقة ما فقدته البشرية برحيل النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فقال: «بِأَبِي أَنْتَ وأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّه! لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالإِنْبَاءِ وَأَخْبَارِ السَّمَاءِ»[3]. لقد انقطع الوحي، وانتهت النبوّة، لكنّ الرسالة التي نزل بها الوحي لم تنقطع، بل بقيت أمانةً في أعناق المؤمنين، ومسؤوليّةً تتوارثها الأجيال.

ويؤكّد هذا المعنى ما رُوي عن الإمام الباقر (عليه السلام): «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): إنّ مقامي بين أظهركم خيرٌ لكم، وإنّ مفارقتي إيّاكم خيرٌ لكم... فأمّا مفارقتي إيّاكم فهو خير لكم؛ لأنّ أعمالكم تعرض عليَّ كلّ اثنين وخميس، فما كان من حسنٍ حمدت الله تعالى عليه، وما كان من سيِّئ استغفرت لكم»[4]. فالحديث لا يقتصر على بيان منزلة النبيّ بعد رحيله، بل يرسّخ شعور الأمّة بالمسؤوليّة؛ فارتباط الرسول بأمّته لم ينقطع، وهو يُسَرّ بطاعتهم، ويستغفر لعصاتهم، الأمر الذي يجعل كلّ مؤمنٍ يسأل نفسه: هل عملي اليوم ممّا يسرّ رسول الله، أم ممّا يؤلمه؟

من هنا، ينبغي أن تكون ذكرى رحيل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) مناسبةً للمراجعة والتجديد؛ فالفقد الحقيقيّ إنّما يكون في أن تفقد الأمّة رسالته (صلّى الله عليه وآله)، وهي تزعم أنّها تنتمي إليه. والوفاء الحقيقيّ لا يكون بالادّعاءات والشعارات، بل بالثبات على مبادئ الإسلام، والتمسّك بقيم العدل والحقّ والرحمة، ومواجهة الفتن والضغوط من دون التفريط بما جاء به رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

الامتحان الحقيقيّ
أيّها المؤمنون...

إنّ القرآن الكريم يرفض أن يكون موت القائد مبرّراً للتراجع عن المبادئ، أو ذريعةً للتخلّي عن الواجب، أو سبباً للعودة إلى ما كانت عليه الجاهليّة من الخضوع للأهواء والمصالح، وإنّ آية ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ ليست خطاباً لجيل الصحابة وحده، بل هي خطابٌ لكلّ أمّةٍ تؤمن برسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فهي تسألّ كلّ جيل: ماذا ستفعلون عندما تشتدّ المحن؟ هل تبقَون أوفياء للرسالة، أم تتراجعون عندما ترتفع كلفة الالتزام؟

إنّ هذا الامتحان ليس جديداً في تاريخ الرسالات، فقد أخبرنا القرآن أنّ بني إسرائيل، بعد أن أنجاهم الله تعالى على يد موسى (عليه السلام)، لم تمضِ عليهم إلّا أيّامٌ حتّى قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾[5]. ولمّا غاب عنهم أربعين ليلةً، عبد فريقٌ منهم العجل، مع أنّهم كانوا قد شاهدوا بأعينهم الآيات والمعجزات.

وهذا يبيّن أنّ الخطر على الرسالة لا يأتي دائماً من العدوّ الخارجيّ، بل قد ينشأ من داخل الأمّة نفسها، عندما تضعف البصيرة، وتُغلَّب المصالح، ويصبح الحفاظ على المكاسب أهمّ من الحفاظ على المبادئ؛ ولذلك يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف أحوال الناس بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «أَلَا وإِنَّ بَلِيَّتَكُمْ قَدْ عَادَتْ كَهَيْئَتِهَا يَوْمَ بَعَثَ اللَّه نَبِيَّه (صلّى الله عليه وآله)! والَّذِي بَعَثَه بِالْحَقِّ، لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً، ولَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً، ولَتُسَاطُنَّ سَوْطَ الْقِدْرِ[6]، حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلَاكُمْ وأَعْلَاكُمْ أَسْفَلَكُمْ»[7].

إنّ الإمام (عليه السلام) يتكلّم على قانونٍ إلهيّ، وهو أنّ الفتن تعيد فرز الناس، وتميّز بين مَن ثبت على الحقّ، ومَن كان ثباته تابعاً للظروف. وقد أخبرنا القرآن بأنّ طريق الحقّ لا يخلو من الابتلاء، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾[8].

إنّ الفتنة في منطق القرآن هي امتحانٌ يكشف حقيقة الإيمان؛ ففي أوقات الرخاء يستطيع كثيرون أن يرفعوا الشعارات، وأن يتحدّثوا عن المبادئ، لكنّ ساعة الامتحان هي التي تميّز بين الصابر على المبدأ، وبين المساوم عليه. ولذلك، حين اجتمعت الأحزاب على المدينة، وأحاطت بالمسلمين من كلّ جانب، لم يكن المشهد واحداً في نفوس الناس، مع أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) كان بينهم، يقول تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمً﴾[9]. وفي المقابل، قال تعالى عن فريقٍ آخر: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾[10].

إنّ العدوّ كان واحداً، والظروف واحدة، والقائد واحداً، ولكنّ المواقف اختلفت؛ لأنّ الذي يحدّد الموقف هو الثبات وحجم اليقين. ومن هنا، فإنّ القرآن يريد أن يربّي الأمّة على أن يكون معيارها هو الحقّ، لا كثرة الأنصار، ولا شدّة الضغوط، ولا تبدّل المواقف السياسيّة. فالرسالة لا تُقاس بميزان الربح والخسارة الآنيّة، وإنما تُقاس بميزان التكليف والوفاء لله تعالى. وفي هذا السياق، يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «شيعتنا مَن لا يهرّ هرير الكلب، ولا يطمع طمع الغراب، ولا يسأل عدوّنا وإن مات جوعاً»[11]؛ أي إنّ أتباع الحقّ يُعرفون بثباتهم واستقامتهم، لا بتقلّبهم مع كلّ ظرف، ولا بتبدّل مواقفهم تبعاً للمكاسب الآنيّة.
أيّها الأحبّة...

إنّ إحياء ذكرى رحيل الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) ينبغي أن يدفعنا إلى أن نسأل أنفسنا: لو تغيّرت الظروف، واشتدّت الضغوط، وكثرت حملات التشويه، فهل نبقى أوفياء للمبادئ؟ أم أنّنا سنبحث عن أقرب طريقٍ يجنّبنا التكاليف ولو على حساب الرسالة؟

هنا تتجلّى الحقيقة القرآنيّة المتمثّلة بالآية الكريمة: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾؛ فالشكر يكون بالثبات على نعمة الهداية، وصيانة الأمانة التي تركها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في أعناق أمّته. الشاكرون هم الذين يثبتون على نهجه، ويحملون رسالته، ولا يسمحون للفتن أو المصالح أن تصرفهم عن الطريق الذي رسمه لهم نبيّ الرحمة.


[1] سورة آل عمران، الآية 144.
[2] من كلامٍ للإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 07/11/2024م.
[3] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص355، الخطبة 235.
[4] الشيخ الطوسيّ، الأمالي، ص408.
[5] سورة الأعراف، الآية 138.
[6] ساط القدر: إذا قَلَب ما فيها من طعام بالمسوط وأداره. والمسوط: خشبة يُحرَّك بها ما فيها ليُخلَط.
[7] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص57، الخطبة 16.
[8] سورة العنكبوت، الآيتان 2-3.
[9] سورة الأحزاب، الآية 22.
[10] سورة الأحزاب، الآية 12.
[11] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص238.

07-08-2026 | 16-11 د | 6 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net