الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين
أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْزيارة الأربعين... تجديد العهد وصناعة الهويّةصناعة الإنسان الرساليّ في مدرسة أمير المؤمنين (عليه السلام)الإمام الكاظم (عليه السلام)... صناعة الوعي وبناء المجتمع المقاومالإمام زين العابدين... حارس الإسلام بعد كربلاء مَن كان باذلاً فينا مهجتهعاشوراء... حين يصنع الدم تاريخ الأمّةالخطاب الثقافي (رقم ٥) الخطاب الثقافي (رقم ٤) الخطاب الثقافي (رقم ٣)
من نحن

 
 

 

التصنيفات
زيارة الأربعين... تجديد العهد وصناعة الهويّة
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

زيارة الأربعين... تجديد العهد وصناعة الهويّة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله وأعزّ المرسلين، سيّدنا محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين.


إلى مولانا صاحب العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)، وإلى وليّ أمر المسلمين آية الله السيّد مجتبى الخامنئيّ (دام ظلّه)، والوليّ الشهيد الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)، وشهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، ومراجعنا وقادتنا العظام، والأمّة الإسلاميّة جمعاء، نرفع أسمى آيات العزاء بحلول أربعينيّة الإمام الحسين (عليه السلام).

قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾[1].

جعل الله تعالى في حياة المؤمن شعائرَ ومواسمَ تُجدّد إيمانه، وتربطه بالحقّ، وتحفظ هويّته، ومن أعظم هذه الشعائر زيارة أولياء الله، ولا سيّما زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، التي تحوّلت عبر التاريخ إلى مدرسةٍ للإيمان، وميدانٍ لتجديد العهد مع الله تعالى، وإعلانٍ دائمٍ للولاء لأوليائه والبراءة من أعدائه.

أسرار زيارة أولياء الله
إنّ زيارة قبور الأولياء والصالحين ليست ارتباطاً بالمكان بما هو مكان، ولا بالحجارة والطين، إنّما هي ارتباطٌ بصاحب الرسالة، وصاحب الموقف، وصاحب الطريق الذي سار فيه إلى الله تعالى؛ فالزائر حين يقف عند تلك المراقد الطاهرة، لا يعبد قبراً، ولا يتوجّه إليه، وإنّما يتوجّه به إلى الله تعالى، فيقيم الصلاة، ويقرأ القرآن، ويدعو، ويتوسّل، ويذكر الله، فتكون زيارته موسم عبادةٍ وخضوعٍ لله عزّ وجلّ.

ومن جهةٍ أخرى، فإنّ الزيارة هي إعلانٌ للولاية، وتجديدٌ للعهد مع أولياء الله، وإظهارٌ للمحبّة التي أمر الله بها، واستلهامٌ لسيرتهم في الصبر والجهاد والتضحية؛ ولذلك كانت الزيارة وسيلةً لتربية الإنسان قبل أن تكون مجرّد حركةٍ أو عادةٍ اجتماعيّة، عن الإمام الرضا (عليه السلام): «إنّ لكلِّ إمامٍ عهداً في عنق أوليائه وشيعته، وإنّ من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم؛ فمَن زارهم رغبةً في زيارتهم، وتصديقاً بما رغبوا فيه، كان أئمّتُهم شفعاءَهم يوم القيامة»[2].

والإنسان عندما يقف أمام سيرة وليٍّ من أولياء الله، ينبغي أن يسأل نفسه: هل أسير على الطريق نفسه؟ وهل أحمل القيم التي ضحّى من أجلها هذا الإمام أو ذلك الشهيد؟ وهنا تتحوّل الزيارة إلى مناسبةٍ لمحاسبة النفس وإحياء الضمير.

خصوصيّة زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)
وإذا كانت زيارة الأولياء جميعاً ذات منزلةٍ عظيمة، فإنّ زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) تمتلك خصوصيّةً أكّدتها النصوص الشريفة بصورةٍ لافتة؛ ذلك أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) قدّم أعظم تضحيةٍ لحفظ دين جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فكان دمه الطاهر سبباً في بقاء الإسلام حيّاً في وجدان الأمّة؛ ولهذا أكّد الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) زيارته تأكيداً استثنائيّاً، فعن الإمام الباقر (عليه السلام): «مُروا شيعتَنا بزيارة قبر الحسين (عليه السلام)؛ فإنّ إتيانه مفترضٌ على كلّ مؤمنٍ يقرّ للحسين (عليه السلام) بالإمامة من الله»[3]، بل إنّ الإمام الصادق (عليه السلام) شدّد على عدم ترك الزيارة مع القدرة عليها، حين سُئل (عليه السلام): جُعِلتُ فداك! ما تقول في مَن ترك زيارته، وهو يقدر على ذلك؟ قال (عليه السلام): «أقول: إنّه قد عقَّ رسولَ الله محمَّداً (صلّى الله عليه وآله)، وعقَّنا، واستخفَّ بأمرٍ هو له»[4]. وهذا يدلّ على أنّ الزيارة ليست عملاً مستحبّاً عاديّاً فحسب، بل هي عنوانٌ لحفظ الارتباط بالإمام، وتجديد البيعة معه، وعدم الانقطاع عن مشروعه الإصلاحيّ.

ثمّ جاءت الروايات لتبيّن آثار هذه الزيارة، وتكشف ما أعدّه الله تعالى للزائرين من الفضل والثواب؛ فهي سببٌ لمغفرة الذنوب، وزيادة الرزق، وطول العمر، ودفع البلاء، ومجاورة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين وفاطمة الزهراء (عليهما السلام). وقد صرّح الإمام الباقر (عليه السلام) ببعض هذه الآثار، فقال: «مُروا شيعتَنا بزيارة قبر الحسين (عليه السلام)؛ فإنّ إتيانَه يزيد في الرزق، ويمدّ في العمر، ويدفع مدافعَ السوء»[5]. وبيّن الإمام الصادق (عليه السلام) ما تنتهي إليه هذه الزيارة من المنزلة الرفيعة، فقال: «مَن أراد أن يكون في جوارِ نبيِّه (صلّى الله عليه وآله)، وجوارِ عليّ وفاطمة، فلا يدع زيارةَ الحسين بن عليّ (عليهما السلام)»[6]. وهذه الآثار كلّها تكشف مقدار عناية الله تعالى بمن يُحيي هذا الارتباط المبارك، ويجدّد العهد مع أوليائه.

مسيرةٌ أحيَت عاشوراء
ومن أبرز مصاديق هذا الارتباط زيارة الأربعين، التي أصبحت اليوم أعظم تجمّعٍ إيمانيٍّ يشهده العالم، وقد عدّها الإمام العسكريّ (عليه السلام) من علامات المؤمن، فقال: «عَلَامَاتُ الْمُؤْمِنِ خَمْسٌ: صَلَاةُ إحدى وخَمْسِينَ، وَزِيَارَةُ الْأَرْبَعِينَ، وَالتَّخَتُّمُ فِي الْيَمِينِ، وَتَعْفِيرُ الْجَبِينِ، وَالْجَهْرُ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»[7].

ولذلك لم تعد الأربعين مجرّد مناسبةٍ تاريخيّة، بل أصبحت ظاهرةً حضاريّةً كبرى، تحمل رسالة الإمام الحسين (عليه السلام) إلى العالم. وقد وصف الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه) هذه الشعيرة بأنّها من شعائر الله، مؤكّداً أنّ ملايين السائرين نحو كربلاء يقدّمون نموذجاً عمليّاً للإيمان والعشق الحسينيّ: «إنَّ هؤلاءِ الذينَ قطعوا هذا الطريق، ويصنعونَ هذا الحِراكَ الإيمانيَّ المحفوفَ بالعشق، هم حقّاً يفعلونَ حسنة. ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾[8]، هذا مِن شعائرِ اللهِ دونَ رَيب»[9].

وبيّن أنّ هذه المسيرة آيةٌ على إرادة الله في نصرة الأمّة الإسلاميّة: «هذهِ آيةٌ إلهيّةٌ عظمى، وهي مؤشّرُ إرادةٍ إلهيّةٍ على نُصرةِ الأمّةِ الإسلاميّة. هذا يدلُّ على أنَّ إرادةَ اللهِ تعالى معقودةٌ على نصرِ الأمّةِ الإسلاميّة»[10].

وأنّها تجسّد خصائص مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، بما تحمله من الإيمان، والمحبّة، والتكافل، والوحدة: «هذهِ الحركةُ الجماهيريّةُ العظيمةُ التي تنطلقُ مِن إيرانَ وسائرِ بلدانِ العالمِ، للمشاركةِ في المسيرةِ الأربعينيّة، تُجسِّدُ تلكَ الخصائصَ البارزةَ لمدرسةِ أهلِ البيتِ (عليهمُ السلام)، التي يموجُ فيها الإيمانُ والاعتقادُ القلبيُّ والمعتقداتُ الأصيلةُ، إلى جانبِ العشقِ والحبِّ والمودّة»[11].

كما أكّد أنّ الأربعين ليست حدثاً عاديّاً، بل ظاهرةٌ إلهيّةٌ منقطعة النظير، لا يمكن تفسيرها بالحسابات المادّيّة؛ لأنّ هذا الاجتماع المليونيّ الذي يضمّ شعوباً ولغاتٍ وثقافاتٍ مختلفة، إنّما يجتمع على حبّ الحسين (عليه السلام)، وهو شاهدٌ حيّ على خلود نهضته: «ظاهرةُ الأربعينَ ظاهرةٌ غيرُ قابلةٍ للوصف، بل هي منقطعةُ النظيرِ أصلاً، إنّها مناورةٌ عظيمةٌ ومذهلة. هذه الحركةُ الاستثنائيّةُ لا نظيرَ لها في العالَم»[12].

بل إنّ سماحته وصف الأربعين بأنّها أكبر وسيلة إعلاميّة لعاشوراء؛ لأنّها تنقل الرسالة الحسينيّة إلى العالم كلّه، وتُظهر أنّ مدرسة كربلاء لا تزال حيّةً في وجدان المسلمين: «تُعَدُّ حركةُ الأربعينَ هذه هتافاً بليغاً مدوّياً، ووسيلةَ إعلامٍ منقطعةَ النظير»[13].

ماذا بعد الزيارة؟
إنّ قوّة الأربعين لا تكمن في العدد وحده، بل في القيم التي تُجسّدها؛ ففيها الإيثار، حيث يخدم الملايين بعضهم بعضاً، وفيها الوحدة، حيث تزول الفوارق بين الشعوب والأعراق، وفيها الكرم، وفيها الأخلاق، وفيها الصبر، وفيها استحضار الأهداف الحسينيّة، فإذا بقيت هذه القيم بعد انتهاء الزيارة، فقد حقّقت الأربعين رسالتها الحقيقيّة.

من هنا، فإنّ أخطر ما يمكن أن يصيب الشعائر الدينيّة هو أن تتحوّل إلى طقوسٍ منفصلة عن الحياة؛ فالزائر الحقيقيّ لا ينبغي له أن يعود من كربلاء كما ذهب إليها، بل ينبغي له أن يعود بقلبٍ أكثر خشوعاً، ولسانٍ أكثر صدقاً، ونفسٍ أكثر التزاماً، واستعدادٍ أكبر لتحمّل المسؤوليّة.

لقد خرج الإمام الحسين (عليه السلام) ليُصلح الأمّة؛ ولذلك فإنّ أفضل وفاءٍ له هو أن تتحوّل زيارته إلى مدرسة إصلاحٍ للنفس والمجتمع.

إنّ من يشارك في الأربعين ثمّ يعود إلى الظلم، أو الغشّ، أو أكل حقوق الناس، أو إثارة الفتن، أو التهاون بالواجبات الشرعيّة، فإنّه أبعد ما يكون عن رسالة الإمام الحسين (عليه السلام).

وفي زمننا هذا، حيث تواجه الأمّة الإسلاميّة مشاريع التفريق، والحروب الناعمة، والتضليل الإعلاميّ، والانحلال الأخلاقيّ، تصبح رسالة الأربعين أكثر حضوراً، إنّها تدعونا إلى:
الثبات على الحقّ مهما كثرت الضغوط.
وحدة المؤمنين ونبذ الفرقة.
خدمة الناس والإحسان إليهم كما نراه في مواكب الأربعين.
الدفاع عن قيم الإسلام والعدل والكرامة.
تربية الأجيال على ثقافة الإمام الحسين (عليه السلام)، لا على ثقافة الاستسلام واللامبالاة.

يقول شهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه): «من أهمّ عِبر ذكرى الأربعين ويوم الأربعين، ونحن نَستحضر مواقف الإمام السجاد (عليه السلام) في المسجد الكبير في دمشق، ونستحضر مواقف السيّدة زينب (عليها السلام) في قصر يزيد وبين زبانيته، من أعظم العِبر وأهمّها، أنّ المؤمن مهما كانت المصائب والمصاعب، ومهما أحاطت به الظروف القاسية، لا يمكن أن يضعف، لا يمكن أن يَهين، لا يمكن أن يستسلم، لا يمكن أن يُظهِر أيَّ علامة من علامات الخضوع والذلّ»[14].

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الزائرين العارفين بحقّه، ومن الثابتين على ولايته، وأن يرزقنا في الدنيا زيارته، وفي الآخرة شفاعته، إنّه سميعٌ مجيب.


[1] سورة الحجّ، الآية 32.
[2]  الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج4، ص567.
[3]  الشيخ المفيد، المقنعة، ص468.
[4]  ابن قولويه، كامل الزيارات، ص246.
[5]  المصدر نفسه، ص284.
[6]  المصدر نفسه، ص260.
[7]  السيّد ابن طاووس، إقبال الأعمال، ج3، ص100.
[8] سورة المائدة، الآية 2.
[9] من كلام له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 30/11/2015م.
[10] من كلام له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 18/09/2019م.
[11] من كلام له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 30/11/2015م.
[12] من كلام له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 03/11/2018م.
[13] من كلام له (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 13/10/2019م.
[14] من كلامٍ له (رضوان الله عليه)، بتاريخ 17/09/2022م.

07-08-2026 | 16-09 د | 6 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net