صناعة الإنسان الرساليّ في مدرسة أمير المؤمنين (عليه السلام)
الحمد لله ربّ العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونؤمن به ونتوكّل عليه، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد، وعلى آله الطيّبين الطاهرين.
قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾[1].
تضع هذه الآية الكريمة معياراً واضحاً لقياس قيمة الإنسان عند الله تعالى، ليس كثرة المال، ولا الجاه، ولا المنصب، وإنّما صدق العهد مع الله. فالرجال الذين يخلّدهم القرآن هم الذين ثبتوا على الحقّ حتّى آخر لحظة من حياتهم، فمنهم مَن خُتِمت حياته بالشهادة، ومنهم مَن ينتظرها ثابتاً على نهجه لا يغيّر ولا يبدّل.
تحضرنا في هذه الأيّام شهادة أحد أولئك الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وهو محمّد بن أبي بكر، والي أمير المؤمنين (عليه السلام) على مصر، الذي استشهد في الرابع عشر من شهر صفر، سنة ثمانٍ وثلاثين للهجرة، وهو ثابت على ولاية الإمام عليّ (عليه السلام)، يقول فيه الإمام الصادق (عليه السلام)، وقد ذُكر عنده: «رحمه الله، وصلّى الله عليه، قال لأمير المؤمنين (عليه السلام) يوماً من الأيّام: ابسط يدك أبايعك، فقال: أوما فعلت؟ فقال: بلى، فبسط يده، فقال: أشهد أنّك إمام مفترض طاعتك...»[2]. ولعلّ في هذه المناسبة درساً لنا في بناء الإنسان، وفهم معنى الولاء، وتحمّل المسؤوليّة، والثبات حتّى آخر العمر.
محمّد بن أبي بكر ثمرة التربية العلويّة
اعتاد كثيرٌ من الناس أن يربطوا قيمة الإنسان بنسبه أو مكانته الاجتماعيّة أو ما يملك من مالٍ وسلطان، غير أنّ الإسلام جعل معيار القيمة والكرامة شيئاً آخر، فقال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾[3]، فالإنسان يصنع مكانته عند الله بموقفه وإيمانه واختياره.
لقد وُلد محمّد بن أبي بكر في السنة العاشرة للهجرة، وبعد وفاة أبيه تزوّج أمير المؤمنين (عليه السلام) بأمّه أسماء بنت عميس، فنشأ محمّد في بيت الإمام عليّ (عليه السلام)، وتربّى على يديه، وفيه يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «لَقَدْ كَانَ إِلَيَّ حَبِيباً، وكَانَ لِي رَبِيباً»[4]، وهذه التربية كانت تربيةً على الإيمان، والبصيرة، والعدل، وتحمّل المسؤوليّة؛ ولهذا غدا محمّد من أبرز أنصار أمير المؤمنين (عليه السلام)، حتّى أولاه مصر وهو شابّ، ثقةً بدينه وبصيرته وإخلاصه، ولم يتردّد يوماً في نصرة الحقّ، ولم يتراجع حتّى استشهد في سبيله.
إنّ هذه السيرة تعلمنا أنّ البيئة الصالحة تصنع الإنسان، وأنّ التربية الإيمانيّة قادرة على أن تحوّل الإنسان إلى عنصر فاعل في مشروع الله تعالى؛ ولذلك ركّز القرآن الكريم على بناء الإنسان قبل بناء الدولة، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾[5]؛ فالتغيير الحقيقيّ يبدأ من النفس، ثمّ ينعكس على المجتمع، ثمّ على الأمّة كلّها.
وقد كان أمير المؤمنين (عليه السلام) مدرسةً في صناعة الرجال؛ فربّى مالك الأشتر، وعمّار بن ياسر، ومحمّد بن أبي بكر، وميثم التمّار، ورشيد الهجريّ، وغيرهم من أصحاب البصائر، حتّى أصبحوا أعمدةً للحقّ في مواجهة الفتن. وهنا ينبغي أن يلتفت المؤمن إلى أنّ مسؤوليّته الأولى هي بناء شخصيّته الإيمانيّة؛ لأنّ الله تعالى إذا وجد الإنسان صالحاً حمّله مسؤوليّة الإصلاح.
المسؤوليّة أمانة
حين ولّى أمير المؤمنين (عليه السلام) محمّد بن أبي بكر مصر، كان يعلم أنّه يكلّفه بإدارة واحدةٍ من أهمّ ولايات الدولة الإسلاميّة، في ظرفٍ سياسيٍّ وعسكريٍّ بالغ التعقيد. ولم يكن هذا الاختيار مجاملةً أو قرابةً، بل كان تعبيراً عن ثقة الإمام بما رآه فيه من إخلاصٍ وولاءٍ واستعدادٍ لتحمّل المسؤوليّة.
وهذه الحادثة تكشف عن نظرة أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الولاية؛ فهو لم يكن يرى المنصب تشريفاً، بل تكليفاً ثقيلاً وأمانةً يُسأل عنها الإنسان بين يدي الله. ومن هنا جاءت وصاياه الخالدة لولاته، وفي مقدّمتها عهده المشهور إلى مالك الأشتر، الذي يُعدّ من أعظم الوثائق الإسلاميّة في الإدارة والعدالة والحكم. وليس من المصادفة أن يختم الإمام هذا العهد بالدعاء قائلاً: «وَأَنَا أَسْأَلُ اللهَ بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ، وَعَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلَى إِعْطَاءِ كُلِّ رَغْبَة، أَنْ يُوَفِّقَنِي وَإِيَّاكَ لِمَا فِيهِ رِضَاهُ... وَأَنْ يَخْتِمَ لِي وَلَكَ بِالسَّعَادَةِ وَالشَّهَادَةِ»[6]؛ إذ إنّ هذا الختام يكشف عن حقيقةٍ عميقة، فالإمام (عليه السلام) لا يربط نجاح الوالي ببقائه في منصبه، ولا بطول مدّة حكمه، وإنّما بصدق أدائه للأمانة حتّى لو انتهى ذلك بالشهادة. فالقيادة الإلهيّة ترى في السلطة وسيلةً لإقامة الحقّ، فإذا انتهى طريقها إلى الشهادة كان ذلك تمام الفوز.
وقد جسّد محمّد بن أبي بكر هذه الحقيقة عمليّاً؛ فلم يساوم على دينه، ولم يتخلَّ عن مسؤوليّته عندما اشتدّت المحنة، بل ثبت على ولائه حتّى استشهد مظلوماً وهو يدافع عن الحقّ، وحين بلغ أميرَ المؤمنين (عليه السلام) خبرُ شهادته، حزن عليه، وتبيّن ذلك في وجهه، وقال في تأبينه: «ألا وإنّ محمّد بن أبي بكر قد استشهد رحمة الله عليه، وعند الله نحتسبه. أما والله، لقد كان ما علمت، ينتظر القضاء، ويعمل للجزاء، ويُبغض شكل الفاجر، ويحبّ سمت المؤمن»[7].
ومن هنا نفهم أنّ الإسلام لا يقيس نجاح المسؤول بما حقّقه من مكاسب شخصيّة، وإنّما بمدى وفائه للأمانة التي حمّلها الله له؛ ولذلك قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»[8].
الشهادة خاتمة الصادقين وامتداد الحياة
وإذا كانت المسؤوليّة في مدرسة أمير المؤمنين قد تنتهي بالشهادة، فإنّ ذلك ليس لأنّ الإسلام يدعو إلى طلب الموت، بل لأنّ المؤمن إذا جعل رضا الله غايته، لم يعد يخشى الموت في سبيل الحقّ. ومن هنا نفهم سرّ دعاء الإمام بأن يختم الله له ولولاته بالسعادة والشهادة، وسرّ المكانة العظيمة التي منحها القرآن للشهداء، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾[9]. إنّ الشهادة ليست حادثة موت، بل انتقال إلى حياةٍ أكمل؛ ولذلك كان أولياء الله يطلبونها، إذ إنّها تمثّل ذروة الصدق مع الله.
وقد خصّ الله تعالى الإمام الحسين (عليه السلام) بمقامٍ عظيم، فقد رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام)، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، عن الله عزّ وجلّ في شأن الإمام الحسين (عليه السلام): «أما إنَّهُ سَيِّدُ الشُّهَداءِ مِنَ الأَوَّلينَ وَالآخِرينَ فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ»[10]. فالحسين (عليه السلام) هو سيّد قافلة الشهداء، وكلّ من سار في طريق التضحية لله تعالى إنّما يسير في هذا الركب المبارك.
يقول الإمام الخمينيّ (قُدِّس سرّه): «ما الذي بوسعِ إنسانٍ قاصرٍ مثلي أنْ يقولَ عَنِ الشهداءِ الأعزّاءِ الذينَ قالَ اللهُ تعالى في شأنِهم تلكَ الكلمةَ العظيمة: ﴿أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾[11]، وهل يُمكنُ بالقلمِ والبيانِ والكلامِ التعبيرُ عَنِ الالتحاقِ باللهِ واستضافةِ مقامِ الربوبيّةِ للشهداء؟»[12].
كما يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه): «الشهيدُ هوَ الإنسانُ الذي يُقتَلُ في سبيلِ الأهدافِ المعنويّة، ويضحّي بروحِه لأجلِ الهدفِ والمقصدِ الإلهيّ. واللهُ المتعالي يردُّ على هذا الإيثارِ والتضحيةِ العظيمةِ بأنْ يجعلَ ذكرَ ذلكَ الشخصِ وفكرَه حاضرَينِ دائماً في أُمَّتِه، ويبقى هدفُه السامي حيّاً. هذه هي خاصيَّةُ القتلِ في سبيلِ الله. فالأشخاصُ الذين يُقتَلونَ في سبيلِه يحيَون، أجسادُهم تموتُ، ولكنَّ وجودَهُمُ الحقيقيُّ يبقى حيّاً»[13].
إنّ هذه الكلمات هي تفسيرٌ لمعنى الآية الكريمة؛ فالشهيد لا يورّث الأمّة جسداً، وإنّما يورثّها منهجاً، ويترك فيها روحاً لا تموت؛ ولهذا بقي ذكر محمّد بن أبي بكر حيّاً، وبقي ذكر مالك الأشتر حيّاً، وبقي ذكر شهداء كربلاء حيّاً؛ فهم قد عاشوا لله تعالى، لا لأنفسهم.
كيف نصنع رجالاً يثبتون عند الفتن؟
إنّ أخطر ما تحتاج إليه الأمّة اليوم صناعة الإنسان المؤمن البصير؛ فالفتن لا تسقط الجاهل وحده، بل قد تسقط العالم إذا فقد البصيرة، وقد تزلزل الشجاع إذا فقد الإيمان؛ ولهذا فإنّ مسؤوليّة الأسرة، والمسجد، والمدرسة، والمؤسّسات الثقافيّة، أن تبني الإنسان على ثلاثة أسس:
الأوّل: المعرفة الصحيحة بالدين، حتّى لا يخدعه الباطل.
الثاني: الارتباط العمليّ بالله تعالى بالعبادة والتقوى.
الثالث: الثبات على ولاية الحقّ مهما قست الظروف.
فلنسأل أنفسنا: هل نربّي أبناءنا على هذه القيم؟ وهل نصنع جيلاً يعرف الحقّ فيتبعه، أم نكتفي بتعليمهم ما ينفع دنياهم دون آخرتهم؟
إنّ الأمة التي تريد أن تحفظ عزّتها لا بدّ من أن تبدأ من بناء الإنسان؛ فالإنسان الصالح هو الذي يبني الأسرة الصالحة، والأسرة الصالحة تبني المجتمع الصالح، والمجتمع الصالح يحفظ الدين والكرامة والاستقلال.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الصادقين في عهده، والثابتين على ولاية أوليائه، وأن يرزقنا حسن العاقبة، وأن يختم لنا بالسعادة، وأن يحيينا حياة محمّد وآل محمّد، ويميتنا على ولايتهم، ويحشرنا في زمرة سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام)، إنّه سميع مجيب.
[1] سورة الأحزاب، الآية 23.
[2] الشيخ المفيد، الاختصاص، ص70.
[3] سورة الحجرات، الآية 13.
[4] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص98، الخطبة 68.
[5] سورة الرعد، الآية 11.
[6] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص445، الكتاب 53.
[7] ابن أبي الحديد المعتزليّ، شرح نهج البلاغة، ج6، ص93.
[8] ابن أبي جمهور الأحسائيّ، عوالي اللئالي، ج1، ص129.
[9] سورة آل عمران، الآية 169.
[10] ابن قولويه القمّيّ، كامل الزيارات، ص70.
[11] سورة آل عمران، الآية 169.
[12] الإمام الخمينيّ (قُدِّس سرّه)، صحيفة الإمام (الترجمة العربيّة)، ج17، ص116.
[13] مركز باء للدراسات، عطر الشهادة (من كلمات الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سره))، ص13.









