الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين
أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْزيارة الأربعين... تجديد العهد وصناعة الهويّةصناعة الإنسان الرساليّ في مدرسة أمير المؤمنين (عليه السلام)الإمام الكاظم (عليه السلام)... صناعة الوعي وبناء المجتمع المقاومالإمام زين العابدين... حارس الإسلام بعد كربلاء مَن كان باذلاً فينا مهجتهعاشوراء... حين يصنع الدم تاريخ الأمّةالخطاب الثقافي (رقم ٥) الخطاب الثقافي (رقم ٤) الخطاب الثقافي (رقم ٣)
من نحن

 
 

 

التصنيفات
الإمام زين العابدين... حارس الإسلام بعد كربلاء
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

الإمام زين العابدين... حارس الإسلام بعد كربلاء

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.


إلى مولانا صاحب العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)، وإلى وليّ أمر المسلمين آية الله السيّد مجتبى الخامنئيّ (دام ظلّه)، وإلى الوليّ الشهيد الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)، وإلى شهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، وإلى مراجعنا وقادتنا العظام، وإلى الأمّة الإسلاميّة جمعاء، نرفع أسمى آيات العزاء بذكرى شهادة الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) في الخامس والعشرين من شهر محرّم الحرام، عام 95 للهجرة.

قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾[1].

أيّها المؤمنون...
ليست كلّ مراحل التاريخ تحتاج إلى من يحمل السيف، بل إنّ بعض المراحل تحتاج إلى من يحفظ العقيدة، ويعيد بناء الإنسان، ويمنع انهيار الأمّة من الداخل. وبعد فاجعة كربلاء، لم يكن التحدّي هو الثأر العسكريّ فحسب، بل كان الخطر الأكبر يكمن في أن ينجح المشروع الأمويّ في تغيير الإسلام نفسه، وأن تتحوّل تعاليم النبيّ (صلى الله عليه وآله) إلى مفاهيم مزوّرة تخدم السلطان. وهنا برز الدور العظيم للإمام زين العابدين (عليه السلام)، الذي حمل مسؤوليّة حفظ الدين في واحدة من أخطر المراحل التي مرّت بها الأمّة الإسلامية. وفي ذلك يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه): «إنّ هذا الإنسان العظيم قد قضى كلّ حياته وسعيه في طريق الهدف المقدّس، وهو إقامة حكومة الله على الأرض وتطبيق الإسلام، وقد استفاد من أنضج وأفضل الوسائل، وتقدّم بالقافلة الإسلاميّة، التي كانت بعد واقعة عاشوراء في تشرذمٍ وتفرّق مهول، وأنجز مهمّته العظمى ومسؤوليّته الأصيلة، والتي قام بها كلّ أئمّتنا وجميع الأنبياء والصالحين، مراعياً أصول السياسة والشجاعة والدقّة في الأعمال. وبعد 35 سنة من الجهاد المستمرّ، الذي لم يعرف الراحة أبداً، رحل عن الدنيا كريماً مرفوع الرأس موكلاً حمل ثقل الرسالة من بعده إلى الإمام الباقر (عليه السلام)»[2].

الإمامة امتداد لرسالة النبيّ في هداية الأمّة
لقد خلق الله الإنسان على فطرة التوحيد والدين، فقال سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾[3]، ومن أجل المحافظة على هذه الفطرة، أرسل الله الأنبياء، خاتماً النبوّة برسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ولم يترك الأمّة بعده بلا قيادة، بل جعل لها أئمّة يحفظون الدين من التحريف، وقد لخّص أمير المؤمنين (عليه السلام) هدف الأنبياء بقوله في نهج البلاغة: «فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَه، ووَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَه؛ لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِه، ويُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِه، ويَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ، ويُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ...»[4].

ولذلك، عندما نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾[5]، سأل جابر بن عبد الله الأنصاريّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن أولي الأمر، فقال: «هم خلفائي يا جابر، وأئمّة المسلمين (من) بعدي؛ أوّلهم عليّ بن أبي طالب، ثمّ الحسن والحسين، ثمّ عليّ بن الحسين...»[6]. فالإمام زين العابدين (عليه السلام) لم يكن مجرّد عالمٍ صالح أو عابدٍ زاهد، بل كان الإمام المفترض الطاعة، والحجّة التي أقامها الله على عباده لحفظ الإسلام بعد الانحراف الذي أصاب الأمّة. ومن هنا نفهم أنّ الإمامة ليست منصباً تشريفيّاً، بل مسؤوليّة إلهيّة لحفظ الدين وصيانة الرسالة.

بعد كربلاء... معركة الوعي
بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، ظنّ بعضهم أنّ المعركة قد انتهت، ولكنّ الصحيح أنّه كانت قد بدأت مرحلة أشدّ خطراً؛ لقد عمل بنو أمية على صناعة وعي جديد يخدم سلطانهم، فانتشرت الأحاديث الموضوعة، ومُنع تدوين السنّة الصحيحة، وأصبح وعّاظ السلاطين يفسّرون الدين بما يخدم الحاكم، وقد عبّر الإمام زين العابدين (عليه السلام) عن حجم المأساة بقوله: «ما ندري كيف نصنع بالناس؛ إن حدّثناهم بما سمعنا من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ضحكوا، وإن سكتنا لم يَسَعْنا»[7]. إنّها عبارة تكشف حجم الانحراف؛ فالمشكلة لم تعد في جهل الناس فقط، بل في أنّهم أصبحوا يستغربون السنّة الصحيحة بعدما عاشوا سنوات طويلة مع الأحاديث المصنوعة. ولذلك، لم يدخل الإمام (عليه السلام) في مواجهة عسكريّة، فالمجتمع كان يحتاج أوّلاً إلى إعادة بناء عقيدته، وإحياء وعيه، وتصحيح مفاهيمه.
وهذا يعلّمنا أنّ أخطر أنواع الحروب ليست دائماً الحروب العسكريّة، بل الحروب الفكريّة والثقافيّة والإعلاميّة، التي تغيّر القناعات، وتزيّن الباطل، وتجعل الناس يقبلون الظلم باسم الدين أو المصلحة. ولهذا فإنّ مسؤوليّة المؤمن لا تقتصر على العبادة، بل تشمل التثبّت من مصادر المعرفة، وعدم الانجرار خلف كلّ خطاب أو شائعة أو فكرة تُطرح من دون دليل، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾[8].

مواجهة الانحراف
لم يكتفِ الإمام (عليه السلام) بتشخيص المرض، بل بدأ مشروعاً متكاملاً للإصلاح.

أوّلاً: إعادة الناس إلى كتاب الله
كان القرآن هو المرجع الأوّل الذي حاول الأمويّون إفراغه من محتواه الحقيقيّ، فجعل الإمام القرآن محور التربية، قال (عليه السلام): «عليك بالقرآن... فمَن قرأ القرآن، قال له: اقرأ وارقَ، ومن دخل منهم الجنّة، لم يكن أحد في الجنّة أعلى درجة منه، ما خلا النبيّين والصدّيقين»[9]، وقال أيضاً: «لو مات مَن بين المشرق والمغرب، لما استوحشت بعد أن يكون القرآن معي»[10]. إنّ الإنسان الذي يعيش مع القرآن يعيش مع الميزان الذي يفرّق بين الحق والباطل، ولا يمكن أن يُخدَع بسهولة بالدعايات أو الانحرافات.

ثانياً: إعادة الناس إلى أهل البيت (عليهم السلام)
حاول الأمويّون قطع الصلة بين الأمّة وأهل البيت (عليهم السلام)؛ لأنّهم يعلمون أنّ وجود أهل البيت يعني بقاء الإسلام الأصيل؛ ولهذا كان الإمام يعرّف الناس بمقامهم الإلهيّ، قال (عليه السلام): «نحن أئمّة المسلمين، وحُجَج الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغرّ المحجّلين، وموالي المؤمنين، ونحن أمان أهل الأرض، كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء... ولولا ما في الأرض منّا لساخَت بأهلها، ولم تَخْلُ الأرض منذ خلقَ اللهُ آدمَ من حُجّةٍ لله فيها»[11]. إنّ معرفة الإمام هي أساس الاستقامة؛ لأنّ الإمام هو المبيّن الحقيقيّ للقرآن، والحافظ للشريعة من التحريف.

ثالثاً: تصحيح المفاهيم المنحرفة
من أخطر الأفكار التي نشرها بنو أميّة عقيدة الجبر؛ ليقنعوا الناس بأنّ ظلم الحكّام وقتل الأبرياء هو قضاء من الله لا يجوز الاعتراض عليه، لكنّ الإمام زين العابدين (عليه السلام) واجه هذا الانحراف بكلّ وضوح، فعندما قال يزيد للإمام: الحمد لله الذي قَتَل أباك! قال عليّ (عليه السلام): «قتلَ أبي الناسُ». قال يزيد: الحمد لله الذي قتله فكفانيه! قال عليّ (عليه السلام): «على مَن قتل أبي لعنة الله، أفتراني لعنتُ الله عزّ وجلّ؟!»[12]. فبهذا الجواب هدم الإمام أساس عقيدة الجبر، وأثبت أنّ الإنسان مسؤول عن أفعاله، وأنّ المجرم لا يستطيع أن ينسب جريمته إلى إرادة الله.

وهذه القضيّة ما زالت حيّة إلى اليوم، فكم من ظالم يبرّر ظلمه، وكم من فاسد يلقي مسؤوليّة فساده على الظروف أو القدر أو الآخرين، بينما يؤكد الإسلام أنّ الإنسان مسؤول عن عمله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾[13].

من مدرسة الإمام زين العابدين (عليه السلام)
إنّ أبرز ما نتعلّمه من مدرسته (عليه السلام):
أوّلاً: بناء الإنسان مقدَّم على المكاسب الآنيّة؛ فالإمام قضى أكثر من ثلاثين سنة يربّي جيلاً يحمل الإسلام الصحيح.
ثانياً: إصلاح المجتمع يبدأ بإصلاح الفكر والعقيدة؛ لأنّ الانحراف الفكريّ هو أصل كثيرٍ من الانحرافات السياسيّة والأخلاقيّة.
ثالثاً: المؤمن لا ييأس مهما اشتدّت الظروف؛ فالإمام بدأ عمله بعد كربلاء، حين كانت الأمّة تعيش أقسى حالات الضعف، ومع ذلك استطاع أن يؤسّس مدرسة خرج منها الإمام الباقر والإمام الصادق (عليهما السلام)، اللذان نشرا علوم أهل البيت في العالم الإسلاميّ.
رابعاً: الحكمة ليست ضعفاً، والصبر ليس استسلاماً، بل قد يكون أعظم أنواع الجهاد عندما تقتضي المصلحة الإلهيّة ذلك.

ولهذا قال الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه) في وصف مسيرة الإمام زين العابدين (عليه السلام): إنّه قضى حياته كلّها في سبيل إقامة حكومة الله وتطبيق الإسلام، مستفيداً من أنضج الوسائل، حتى استطاع أن يحفظ مسيرة الإسلام بعد التشتت الذي أعقب عاشوراء، وأن يسلّم الراية من بعده إلى الإمام الباقر (عليه السلام).

الوليّ الشهيد (قُدِّس سرّه) امتدادٌ لهذه المدرسة
أيّها المؤمنون...

إنّ الأمّة اليوم أحوج ما تكون إلى الاقتداء بالإمام زين العابدين (عليه السلام)، في الثبات على الحقّ، وفي الجمع بين العبادة والبصيرة، وبين الإيمان والعمل، وبين الصبر والموقف. فلا يكفي أن نحزن على كربلاء، بل ينبغي أن نحمل الرسالة التي حملها الإمام السجّاد بعد كربلاء؛ رسالة حفظ الدين، وتصحيح المفاهيم، وتربية الأجيال على القرآن، والولاء لأهل البيت (عليهم السلام)، والثبات أمام كلّ محاولات التضليل والانحراف.

ولعلّ من أبلغ الشواهد المعاصرة على امتداد هذه المدرسة المباركة، ما شهدته الأمّة في هذه الأيّام، وهي تودّع قائداً ربّانيّاً أفنى عمره في خدمة الإسلام، والدفاع عن قضايا الأمّة والمستضعفين، ونشر الوعي، وتربية الأجيال على نهج القرآن وأهل البيت (عليهم السلام). فقد شُيِّع مساء الأربعاء الوليّ الشهيد الإمام الخامنئيّ (قدّس سرّه)، بعد أن ارتقى شهيداً على أيدي طواغيت هذا العصر، أمريكا والكيان الصهيونيّ، وهو ثابت على عهده، لم يبدّل ولم يساوم. وإنّ المتأمّل في سيرته يجد فيها صدىً واضحاً لمدرسة الإمام زين العابدين (عليه السلام)، مدرسة الصبر الواعي، والجهاد الطويل، وبناء الإنسان، وصناعة البصيرة، وحفظ الإسلام في مواجهة مشاريع التحريف والاستكبار. لقد كان يؤمن أنّ بناء الوعي لا يقلّ أهمّيّةً عن ميادين المواجهة، وأنّ تربية الأمّة على الإيمان والبصيرة هي الضمانة الحقيقيّة لحفظ الدين وصيانة الكرامة. وهكذا يثبت التاريخ أنّ الرجال الربّانيّين يرحلون بأجسادهم، لكنّهم يورّثون للأمّة منهجاً، ويتركون وراءهم أجيالاً تحمل الراية، كما صنع الإمام زين العابدين (عليه السلام) بعد كربلاء.


[1] سورة الروم، الآية 60.
[2] الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)، إنسان بعمر 250 سنة، ص264.
[3] سورة الروم، الآية 30.
[4] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص44، الخطبة 1.
[5] سورة النساء، الآية 59.
[6] الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ص253.
[7] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج3، ص234.
[8] سورة الإسراء، الآية 36.
[9] القمّيّ، تفسير القمّيّ، ج2، ص259.
[10] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص602.
[11] الشيخ الصدوق، الأمالي، ص253.
[12] الشيخ الطبرسيّ، الاحتجاج، ج2، ص38.
[13] سورة الرعد، الآية 11.

07-08-2026 | 16-06 د | 6 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net