الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين
أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْزيارة الأربعين... تجديد العهد وصناعة الهويّةصناعة الإنسان الرساليّ في مدرسة أمير المؤمنين (عليه السلام)الإمام الكاظم (عليه السلام)... صناعة الوعي وبناء المجتمع المقاومالإمام زين العابدين... حارس الإسلام بعد كربلاء مَن كان باذلاً فينا مهجتهعاشوراء... حين يصنع الدم تاريخ الأمّةالخطاب الثقافي (رقم ٥) الخطاب الثقافي (رقم ٤) الخطاب الثقافي (رقم ٣)
من نحن

 
 

 

التصنيفات
مَن كان باذلاً فينا مهجته
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

مَن كان باذلاً فينا مهجته

الحمد لله ربّ العالمين، الذي جعل الحقّ ميزاناً للرجال، وجعل الابتلاء ميداناً لتمييز الصادقين من المدّعين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

أيّها المؤمنون...
إنّ من السنن الإلهيّة التي لا تتخلّف أنّ حقيقة الإيمان لا تُقاس بكثرة الشعارات، وإنّما تكشفه المواقف حين الابتلاء والامتحان؛ ولذلك يقول سبحانه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾[1].

وعاشوراء من أعظم تجلّيات هذه السُنّة؛ إذ كان الامتحان فيها بالبذل والتضحية والثبات، وذلك عندما أطلق الإمام الحسين (عليه السلام) نداءه حين عزم على المسير إلى العراق: «مَن كان باذلاً فينا مهجته، وموطّناً على لقاء الله نفسه، فليرحل، فإنّي راحلٌ مصبحاً إن شاء الله»[2]. لقد كان هذا النداء دعوةً إلى تحمّل المسؤوليّة، وغربالاً إلهيّاً، يميّز الصادق من المدّعي، والثابت من المتردّد، والمضحّي من المتفرّج.
وإنّ هذا النداء الحسينيّ، إذا وُجّه إلى الناس في كلّ زمان، فإنّهم لا يخرجون عن أربعة أصناف، كما خرج الناس يوم عاشوراء: فمنهم مَن انهزم، ومنهم مَن تردّد، ومنهم مَن اكتفى بالتعاطف، ومنهم مَن تحوّل إلى شريكٍ في مشروع الحقّ، ففي أيّ موقعٍ نضع أنفسنا من هذا النداء؟

الانهزاميّون والمتذبذبون: عندما يغلب الخوفُ المبدأ
أيّها المؤمنون...

إنّ أوّل ما يكشفه نداء الإمام الحسين (عليه السلام) هو موقف الإنسان حين يتعارض الحقّ مع مصلحته، أو حين يصبح الالتزام بالمبدأ مُكلِفاً. وهنا انقسم الناس إلى أصناف، أوّلها الانهزاميّون. والانهزاميّ ليس مَن هُزم في معركة، بل هُزم في داخله قبل أن تبدأ المعركة؛ ففقد ثقته بوعد الله، واستسلم لمنطق القوّة المادّيّة، وقاس الحقّ بموازين العدد والعدّة، ورأى أنّ مواجهة الباطل ضربٌ من العبث، وأنّ الإصلاح مستحيل؛ فرفض مشروع الحسينيّ من أساسه.

وهذا المنطق عرفته الأمم السابقة، وقد تحدّث القرآن عن أولئك الذين حاولوا أن يزرعوا الخوف في قلوب المؤمنين، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾، لكنّ المؤمنين الحقيقيّين لم يستسلموا لهذا المنطق: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾[3].

ثمّ يأتي الصنف الثاني، وهم المتذبذبون، وهؤلاء لم يقفوا في صفّ الباطل صراحةً، ولم يرفضوا الإمام الحسين (عليه السلام) بدايةً، بل خرجوا معه وساروا في طريقه، ولكنّهم لم يصمدوا عندما اقتربت ساعة الامتحان، فتراجعوا واحداً بعد آخر؛ لأنّهم لم يحسموا أمرهم بين الدنيا والآخرة، وبين المصلحة والواجب. وهنا، قد يكون التذبذب أخطر من الرفض؛ لأنّ صاحبه يرى الحقّ، وربّما يؤمن به، ولكنّه يعجز عن دفع ثمنه، وقد وصف تعالى هذه الحالة عند كلامه على المنافقين، فقال: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾[4].

إنّ المشكلة قد لا تكون في نقص المعرفة أحياناً، بل في ضعف الإرادة؛ إذ يضعف المرء أمام أهوائه، ويغلبه حبّ الدنيا؛ ولهذا يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَانِ: اتِّبَاعُ الْهَوَى وطُولُ الأَمَلِ؛ فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، وأَمَّا طُولُ الأَمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ»[5]؛ فالهوى هو الذي يجعل الإنسان يقدّم راحته على تكليفه، ومصلحته على مبدئه، ودنياه على آخرته. وهذا الامتحان لم ينتهِ مع كربلاء، بل يتكرّر في كلّ عصر. فما أكثر الذين يعرفون الحقّ، ويؤيّدونه بألسنتهم، ولكنّهم يتراجعون عندما يُطلب منهم أن يتحمّلوا تبعات الوقوف مع الحقّ.

التعاطف وحده لا يصنع مشروعاً
أيّها المؤمنون...

إذا كان الصنف الأوّل قد انهزم، والثاني قد تردّد، فثمّة صنفٌ ثالث يبدو أقرب إلى الإمام الحسين (عليه السلام)، لكنّه لم يبلغ الغاية التي أرادها الإمام لأتباعه، وهم المتعاطفون. وهؤلاء قلوبهم مع الحقّ، لكنّ أيديهم لم تتحرّك لنصرته، ودموعهم حاضرة، أمّا مواقفهم فغائبة.

ولعلّ من أبلغ المشاهد التي تُجسِّد ذلك ما جرى عند دخول سبايا أهل البيت (عليهم السلام) إلى الكوفة، وصار أهلها يناولون الأطفال بعض التمر والخبز والجوز، فصاحت بهم أمّ كلثوم، وقالت: «يا أهل الكوفة، إنّ الصدقة علينا حرام»، وصارت تأخذ ذلك من أيدي الأطفال وأفواههم وترمي به إلى الأرض... كلُّ ذلك والناس يبكون على ما أصابهم. ثمّ إنّ أمّ كلثوم أطلعت رأسها من المحمل، وقالت لهم: «صَهْ يا أهل الكوفة، تَقتُلُنا رجالُكم، وتبكينا نساؤكم!»[6].

إنّها رسالة بليغة؛ فالدموع بعد ضياع الواجب لا تغيّر مجرى التاريخ، ولا تعوّض عن موقفٍ كان ينبغي أن يُتّخذ في وقته؛ ولهذا يقرن القرآن الإيمان بالعمل دائماً: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾[7]. فالإيمان بلا عمل، يبقى ناقص الأثر، والعاطفة التي لا تنتج مسؤوليّة، تبقى مجرّد انفعالٍ آنيّ، يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «ليس من شيعتنا مَن قال بلسانه وخالفنا في أعمالنا وآثارنا، ولكنّ شيعتنا من وافقنا بلسانه وقلبه واتّبع آثارنا، وعمل بأعمالنا؛ أولئك من شيعتنا»[8]؛ أي إنّ نصرة أهل البيت (عليهم السلام) لا تكون بالشعارات والعواطف وحدها، وإن كانت العاطفة الصادقة ذات قيمة عظيمة، بل تكون بالسلوك، والاستقامة، وخدمة الناس، وحمل الرسالة. وليس الأمر هنا تقليلاً من شأن البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام)، فهو من أعظم القربات، وقد وردت في فضله روايات كثيرة، لكنّ البكاء الذي أراده الإمام (عليه السلام) هو البكاء الذي يصنع الإنسان، وينهض به بعد دمعته ليؤدّي تكليفه. لقد خرج الإمام (عليه السلام) ليصنع أمّةً تحمل أهدافه، وتواصل مشروعه، وتحمل المبادئ التي استشهد من أجلها.

النموذج الذي أراده الإمام الحسين (عليه السلام)
أيّها المؤمنون...

بعد الانهزام، وبعد التذبذب، وبعد التعاطف، يبقى الصنف الأخير، وهم المشاركون. هؤلاء الذين كانوا مع الإمام (عليه السلام) قلباً وقالباً، فاستجابوا لندائه، وبذلوا أرواحهم لنصرته، فاستحقّوا أن يكونوا أنصار الحسين (عليه السلام)، وهذا هو النموذج الذي يصفه القرآن الكريم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾[9].

إنّ المؤمن لا يعيش لنفسه، ولا يحصر همّه في شؤونه الخاصّة، بل يشعر بأنّ آلام الأمّة مسؤوليّته، وأنّ الدفاع عن الحقّ تكليفٌ لا خيار. ومن هنا، فإنّ المشاركة قد لا تعني حمل السلاح فقط، وإنّما تعني أن يكون لكلّ إنسان سهمٌ في نصرة الحقّ؛ فهذا يشارك بعلمه، وهذا بماله، وهذا بوقته، وهذا بتربية أبنائه، وهذا بإصلاح المجتمع، وهذا بكلمةٍ صادقة لا يخاف فيها لومة لائم. يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «الْفُرْصَةُ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، فَانْتَهِزُوا فُرَصَ الْخَيْرِ»[10]، فكم من فرصةٍ لخدمة الدين تمرّ بنا ثمّ تضيع؛ لأنّنا نؤجّل، أو ننتظر غيرنا، أو نظنّ أنّ الإصلاح يقع على عاتق الآخرين.

كربلاء لم تنتهِ...
يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه): «المعركة بين الجبهة الحسينيّة والجبهة اليزيديّة هي معركة مستمرّة... إنَّ الجبهة الحسينيّة تُقاوِم الظلم وتُجاهدُه، وأمّا الجبهة المقابلة فهي جبهة الجور والظلم، جبهة النكث بعهد الله. واليوم ترَون هذا في العالم، كما في عصر الإمام الحسين (عليه السلام) أيضاً؛ فقد كانت هاتان الجبهتان موجودتين في عصره، وبعده كذلك، وهما موجودتان اليوم، وستظلّان موجودتين إلى الأبد»[11].

من هنا، فإنّ كربلاء ليس مجرّد حادثة تاريخيّة مؤلمة، ودورنا لا يتجاوز إحياء ذكراها، بل الحقيقة أنّها منهَجٌ مستمرّ؛ فما دام هناك حقٌّ يُحارَب، وظلمٌ يُمارَس، وعدوانٌ يقع على الأبرياء، فإنّ نداء الإمام الحسين (عليه السلام) يبقى قائماً.

ونحن في لبنان نعيش جانباً من هذا الامتحان؛ فما زال هذا العدوّ يمارس اعتداءاته واحتلاله، وما زال أهل هذه الأرض يقدّمون التضحيات دفاعاً عن وطنهم وكرامتهم؛ فماذا يجب أن يكون موقفي؟ أتفرّج؟ أتعاطف؟ أم أشارك في كلّ ما يحفظ الحقّ، ويخدم الناس، ويعزّز صمود المجتمع؟

لقد أراد الإمام الحسين (عليه السلام) من الناس أن يكونوا أصحاب رسالة؛ فمَن لم يستطع أن يبذل نفسه، فليبذل وقته، علمه، ماله، جهده، كلمته، دعاءه... المهمّ ألّا يبقى خارج مشروع الإصلاح. وعندها تتحوّل عاشوراء من موسمٍ لإحياء الذكرى الأليمة، إلى مدرسةٍ تصنع رجالاً ونساءً يحملون الرسالة، ويواصلون الطريق، ويثبتون أنّ نداء: «مَن كان باذلاً فينا مهجته»، هو لكلّ جيل، ولكلّ أمّة، ولكلّ إنسان يريد أن يكون مع الحقّ؛ لذا يقول شهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه): «أنتم، من خلال هذا الحضور، وبعد مئات السنين، تثبتون بالفعل وبالقول وبالجهاد وبالتضحيات... أنّ نداء الحسين (عليه السلام) يوم العاشر من محرّم في ساحة كربلاء سوف يبقى يتردّد في الأجيال كلّها، الماضية والحاضرة والآتية، وسيبقى نداء «لبّيك يا حسين» ما بقي الدهر إلى يوم القيامة»[12].

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الصادقين في ولائنا، الصادقين في أعمالنا، وأن يرزقنا الثبات على طريق الحقّ، وأن يجعلنا من المشاركين في نصرة دينه، وخدمة عباده، والسير على نهج الإمام الحسين (عليه السلام)، إنّه سميعٌ مجيب.


[1] سورة العنكبوت، الآيتان 2 – 3.
[2] الحلوانيّ، نزهة الناظر وتنبيه الخاطر، ص87.
[3] سورة آل عمران، الآية 173.
[4] سورة النساء، الآية 143.
[5] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص83، الخطبة 42.
[6] العلّامة المجلسيّ، بحار الأنوار، ج45، ص115.
[7] سورة البقرة، الآية 25 - سورة آل عمران، الآية 57 - سورة المائدة الآية 9...
[8] ابن إدريس الحلّيّ، مستطرفات السرائر (باب النوادر)، ص264.
[9] سورة الحجرات، الآية 15.
[10] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص471، الحكمة 21.
[11] من كلام الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 25/08/2024م.
[12] من كلام سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) في العاشر من محرّم 1432هـ.

07-08-2026 | 16-06 د | 6 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net