الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين
عاشوراء... حين يصنع الدم تاريخ الأمّةالخطاب الثقافي (رقم ٥) الخطاب الثقافي (رقم ٤) الخطاب الثقافي (رقم ٣) الخطاب الثقافي (رقم ٢) الخطاب الثقافي (رقم ١) شهادة الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)

العدد 1709 05 شهر رمضان 1447هـ - الموافق 23 شباط 2026م

صدَّقَتني وآمَنَت بي

سلامُ اللهِ إليهارسالة الإمام الخامنئيّ (دام ظلّه) إلى المؤتمر الوطنيّ «شهداء الأسر الغرباء»
من نحن

 
 

 

التصنيفات
عاشوراء... حين يصنع الدم تاريخ الأمّة
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

عاشوراء... حين يصنع الدم تاريخ الأمّة

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمّد وآله الطاهرين.

إلى مولانا صاحب العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)، وإلى وليّ أمر المسلمين آية الله السيّد مجتبى الخامنئيّ (دام ظلّه)، وإلى الوليّ الشهيد الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)، وإلى شهيد الأمّة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه)، وإلى مراجعنا وقادتنا العظام، وإلى الأمّة الإسلاميّة جمعاء، نرفع أسمى آيات العزاء بذكرى شهادة الإمام أبي عبد الله الحسين وأهل بيته وأصحابه (عليهم السلام) في اليوم العاشر من شهر محرّم الحرام، سنة إحدى وستّين للهجرة.

قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾[1].

تُبيّن هذه الآية الكريمة المقام العظيم للشهيد عند الله تعالى، وأنّ الشهادة ليست فناءً وانتهاءً، بل انتقال إلى حياةٍ أكرم وأشرف عند ربّ العالمين.

وإذا كانت الشهادة تمنح صاحبها هذه الحياة الخالدة عند الله، فإنّ التاريخ يشهد أيضاً أنّ دماء الشهداء كثيراً ما كانت سبباً في إحياء الأمم وصناعة نهضتها وحفظ كرامتها. فكم من رجل عاش عمراً مديداً ثمّ انقطع أثره، وكم من شهيد لم يعِش إلّا سنوات قليلة، لكنّ تضحيته غيّرت مسار أجيال بأكملها.

ومن هنا نفهم سرّ كربلاء؛ فالإمام الحسين (عليه السلام) استُشهد في يوم عاشوراء، لكنّ دمه لم يتوقّف عند حدود تلك الواقعة، بل تحوّل إلى مدرسةٍ صنعت الوعي، ورسّخت العزّة، وأحيَت روح المقاومة للظلم في نفوس الملايين عبر القرون. ولذلك، فإنّ الحديث في عاشوراء لا يقتصر على مصيبة الشهادة وآلامها، بل يمتدّ إلى الثمرات العظيمة التي أنبتها ذلك الدم الطاهر في حياة الأمّة.

دم الحسين حفظ الدين وأحيا الأمّة
حين أعلن الإمام الحسين (عليه السلام) هدف نهضته بقوله: «وإنّما خرجت لطلب النجاح والصلاح في أمّة جدّي محمّد (صلّى الله عليه وآله)، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر»[2]، كان يكشف عن الخطر الحقيقيّ الذي يتهدّد الإسلام. فلم تكن المشكلة في وجود حاكم ظالم فحسب، بل في مشروعٍ كاملٍ يسعى إلى تحويل الدين من رسالة هداية وعدل إلى أداةٍ تمنح الشرعيّة للظلم والاستبداد.

لقد بلغ الانحراف في عهد بني أميّة مرحلةً صار فيها الفاسق يُقدَّم للناس بوصفه خليفة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)! وصارت طاعة الحاكم تُقدَّم على أنّها من الدين وإن خالف كتاب الله وسنّة رسوله! وكان الخطر الأكبر أن يختلط الحقّ بالباطل، وأن تنشأ الأجيال وهي تظنّ أنّ ما يمارسه الحكّام هو الإسلام نفسه.

من هنا كانت كربلاء ضرورةً لحفظ الرسالة. فالإمام الحسين (عليه السلام) لم يحفظ الإسلام بسيفه، بل بدمه؛ لأنّ شهادته أسقطت الأقنعة، وكشفت حقيقة الحكم الأمويّ، وأعادت للأمّة قدرتها على التمييز بين الإسلام الذي جاء به محمّد (صلّى الله عليه وآله) والإسلام الذي أراده الطغاة لخدمة سلطانهم؛ ولهذا لم تنتهِ كربلاء عند حدود سنة إحدى وستّين للهجرة، بل بدأت آثارها من ذلك اليوم؛ فقد أيقظت ضمير الأمّة بعد سباتٍ طويل، وأعادت إحياء روح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورسّخت في وجدان المسلمين أنّ السكوت على الانحراف قد يضيّع الدين كلّه.

ومن هنا نفهم كلمة الإمام الخمينيّ (قُدِّس سرّه): «إنّ أحد الأسرار الكبيرة وأهمّها ما قام به سيّد الشهداء الإمام الحسين بن عليّ (عليهما السلام)، فإنّه (سلام الله عليه) قد حفظ الإسلام وضمنه، وحافظ عليه من الانحراف بما قدّمه من تضحيات عظيمة»[3]، فكانت أوّل وأعظم ثمرة لذلك الدم الطاهر أنّه حفظ الرسالة من التحريف، وأحيا في الأمّة الوعي الذي يحفظ الدين جيلاً بعد جيل.

دم الحسين صنع ثقافة العزّة ورفض الذلّ
ومن أعظم الثمرات التي أنبتتها كربلاء في وجدان الأمّة أيضاً، أنّها رسّخت مبدأ العزّة بوصفه قيمةً دينيّة، فالإمام الحسين (عليه السلام) لم يخرج ليحفظ حياته، بل خرج ليحفظ كرامة الدين وكرامة الإنسان المؤمن. وحين ضاقت الخيارات، ووُضع بين الاستسلام ليزيد أو المواجهة مهما كانت التضحيات، أعلن موقفه الخالد: «ألا وإنّ الدعيّ بن الدعيّ قد ركز بين اثنتين: بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة»[4]. ولم تكن هذه الكلمة ردّة فعلٍ على ظرفٍ عابر، بل كانت إعلاناً عن مبدأٍ إلهيٍّ ثابت؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾[5].

لقد أراد الإمام الحسين (عليه السلام) أن يعلّم الأجيال أنّ الحياة ليست هي القيمة العليا دائماً، بل قد يأتي يومٌ يصبح فيه حفظ الدين والحقّ والكرامة أغلى من البقاء نفسه. فالإنسان قد يفقد ماله، وقد يفقد أمنه، وقد يفقد عمره، لكنّه إذا فقد عزّته واستسلم للباطل طوعاً فقد خسر جوهر إنسانيّته ورسالته.

لقد كانت كربلاء نقطة تحوّلٍ كبرى في تاريخ الأمّة؛ إذ صنعت جيلاً بعد جيلٍ من الأحرار الذين أدركوا أنّ القوّة المادّيّة وحدها لا تصنع النصر، وأنّ إرادة الصمود قد تهزم جيوشاً وإمبراطوريّات؛ ولذلك بقي الإمام الحسين (عليه السلام) رمزاً للعزّة في ضمير الإنسانيّة، بينما تحوّل يزيد، برغم ما امتلك من سلطانٍ وجيش، إلى رمزٍ للظلم والخذلان.

إنّ الأمم لا تسقط حين تكثر تضحياتها، وإنّما تسقط حين تفقد إرادتها وتقبل بالخضوع للباطل. أمّا الأمّة التي تحتفظ بعزّتها وتتمسّك بحقّها، فإنّها تبقى قادرةً على النهوض مهما بلغت التحدّيات؛ ولذلك كانت كربلاء مدرسةً خالدةً في الإباء، وكان من أعظم ثمار دم الإمام الحسين (عليه السلام) أنّه أورث الأمّة ثقافة «هيهات منّا الذلّة» كمنهج حياةٍ وموقفٍ في مواجهة الطغيان.

دم الحسين أسّس مدرسة الثبات وأداء التكليف
إنّ العزّة التي أرساها الإمام الحسين (عليه السلام) كانت ثمرة يقينٍ عميقٍ بالله، واستعدادٍ لتحمّل التضحيات في سبيل أداء التكليف. ومن هنا نصل إلى ثمرةٍ أخرى من ثمرات كربلاء، وهي أنّ دم الإمام الحسين (عليه السلام) أسّس مدرسة الثبات وأداء التكليف الإلهيّ، فقد أرست كربلاء في وجدان الأمّة مبدأ الثبات على الحقّ وأداء التكليف مهما بلغت التضحيات. فالإمام الحسين (عليه السلام) لم يدخل هذه المواجهة وهو يجهل ما ينتظره، بل كان على وعيٍ كاملٍ بخطورة الطريق الذي اختاره، وهو القائل لأخيه محمّد بن الحنفيّة: «والله، لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى، لما بايعت -والله- يزيد بن معاوية أبداً»[6]، وقال (عليه السلام): «إنّي لا أرى الموت إلّا سعادة والحياة مع الظالمين إلّا برماً»[7]، وهذه الكلمات تعبّر عن يقينٍ بأنّ الحياة الحقيقيّة هي حياة الموقف والرسالة، وأنّ العمر يفقد قيمته إذا تحوّل إلى ثمنٍ للسكوت عن الباطل.

لقد علّمتنا كربلاء أنّ المؤمن لا يحدّد موقفه على أساس حجم المخاطر أو مقدار المكاسب المتوقّعة، وإنّما على أساس معرفة تكليفه الشرعيّ والأخلاقيّ؛ ولذلك لم يكن السؤال الأساس عند الحسين (عليه السلام): كم سنربح؟ وكم سنخسر؟ بل كان: ماذا يريد الله منّا في هذا الموقع؟ وما الموقف الذي يحفظ الحقّ في وجه الباطل؟

وهنا يكمن سرّ عظمة هذه النهضة؛ فإنّ الإمام الحسين (عليه السلام) لم يربط الحقّ بكثرة الأنصار، ولم يربط صدق الموقف بقوّة العدد والعدّة، بل ربطه بأداء الواجب والثبات عليه. ومن هذا الثبات وُلدت أعظم النتائج؛ فلو نظرنا إلى كربلاء بمنظار اللحظة لوجدنا قلّةً محاصرة أمام جيشٍ جرّار، لكن لو نظرنا إليها بمنظار التاريخ لرأينا أنّ الدم الذي سُفك في عاشوراء تحوّل إلى طاقةٍ هائلةٍ من الوعي والإيمان والحركة، امتدّت آثارها عبر القرون؛ ولهذا يقول الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه): «الدم ينتصر على السيف، والمظلوم يتغلّب على الظالم، والمقتول على القاتل، وهذا ما حدث في عاشوراء»[8]. فالسيف يستطيع أن يقتل الإنسان، لكنّه لا يستطيع أن يقتل القضيّة التي يؤمن بها، أمّا الدم المخلص فقد يغيّر وجدان أمّة بأكملها، ويصنع من التضحيات مدرسةً للأجيال.

من ثمرات كربلاء إلى ثمرات تضحيات المجاهدين في عصرنا
أيّها المؤمنون،
إذا كانت كربلاء قد علّمتنا شيئاً، فإنّها علّمتنا ألّا نقيس التضحيات بنتائجها الآنيّة فقط، بل بآثارها العميقة في حياة الأمّة ومستقبلها. فكم من معركةٍ انتهت في ظاهرها بالقتل والأسر، لكنّها غيّرت مجرى التاريخ! وكم من قوّةٍ امتلكت الجيوش والسلاح ثمّ اندثرت لأنّها افتقدت الحقّ الذي يمنح البقاء!

لقد وقف الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عاشوراء مع ثلّةٍ قليلةٍ من أهل بيته وأصحابه في مواجهة دولةٍ تملك المال والإعلام والسلطان والجيش، وبحسابات المادّة المجرّدة كانت النتيجة محسومة. لكنّ الذي حدث بعد ذلك أثبت أنّ الدم المؤمن قد يملك من القدرة على صناعة التحوّلات ما لا تملكه الجيوش الجرّارة. فالحسين (عليه السلام) لم يورّث الأمّة أرضاً ولا سلطاناً، وإنّما أورثها وعياً وعزّةً وإرادةً بقيت حيّةً عبر القرون.

ومن هنا يمكننا أن نفهم تضحيات الشهداء والمجاهدين في عصرنا. فليست قيمة هذه الدماء بما قدّمته في ساحة المواجهة فحسب، بل بما تزرعه في وجدان الأمّة من معانٍ وقيمٍ ومواقف.

إنّ من أعظم ثمرات هذه التضحيات أنّها تحفظ إرادة الأمّة من الانكسار، وتمنعها من الاستسلام للهيمنة والاحتلال والعدوان. فالعدوّ لا يسعى فقط إلى احتلال الأرض، بل إلى كسر الإرادة وإقناع الشعوب بأنّ المقاومة عبثٌ وأنّ الخضوع قدرٌ لا مفرّ منه. وعندما يقدّم الشهداء أرواحهم ويثبت المجاهدون في الميدان، فإنّهم يوجّهون رسالةً معاكسة تماماً: أنّ الأمّة ما زالت قادرةً على الصمود والدفاع عن حقوقها مهما عظمت التحدّيات.

ومن ثمار هذه التضحيات أيضاً أنّها تصنع أجيالاً مؤمنةً بقضيّتها، واثقةً بحقّها، مستعدّةً لتحمّل مسؤوليّاتها. فالأمم لا تُبنى بالشعارات، وإنّما تُبنى بالنماذج الحيّة التي تجسّد القيم في واقع الحياة، والشهداء هم أعظم هذه النماذج.

كما أنّ الدماء الطاهرة كثيراً ما تكشف الحقائق التي يحاول الظالمون إخفاءها. وكما كشفت كربلاء حقيقة الحكم الأموي وأسقطت الأقنعة عن وجوه الطغاة، فإنّ التضحيات الكبرى في زماننا كشفت لكثيرٍ من شعوب العالم حقيقة المشروع الصهيونيّ والاستكباريّ القائم على العدوان والقتل والهيمنة، وأظهرت في المقابل حجم الصبر والثبات والاستعداد للتضحية لدى الشعوب المظلومة.

أيّها الأحبّة،
إنّ دماء الشهداء هي أمانةٌ ومسؤوليّة. والمسؤوليّة لا تقتصر على البكاء على الشهداء أو الإشادة بتضحياتهم، بل تتمثّل في المحافظة على الأهداف التي استشهدوا من أجلها، وفي التمسّك بالحقّ الذي ضحَّوا دفاعاً عنه، وفي حماية وحدة المجتمع وقوّته وتماسكه، وفي عدم السماح للخوف أو الضغوط أو الحرب النفسيّة أن تهدم ما بُنِي بالدماء والتضحيات. فكما أثمرت كربلاء إصلاحاً وعزّةً وثباتاً امتدّت آثاره إلى يومنا هذا، فإنّ التضحيات الصادقة التي تُبذل في سبيل الله لا تضيع، بل تتحوّل بإذن الله إلى قوّةٍ تصنع المستقبل، وتفتح للأمّة آفاقاً جديدةً من الكرامة والحرّيّة والعزّة.

لقد أراد بنو أميّة أن يدفنوا الإمام الحسين في كربلاء، فإذا بدمه يملأ الدنيا حضوراً. وأرادوا أن يبقى يزيد رمز القوّة، فإذا به يتحوّل إلى لعنةٍ تاريخيّة. وهكذا هي سنّة الله في الصراع بين الحقّ والباطل؛ قد ينتصر الباطل في جولة، لكنّ الدم الصادق إذا اقترن بالإيمان والبصيرة والثبات يبقى قادراً على صناعة التاريخ، لأنّ الله تعالى لا يضيع أجر المصلحين والمجاهدين والصابرين.


[1] سورة آل عمران، الآية 169.
[2] ابن أعثم الكوفيّ، الفتوح، ج5، ص21.
[3] الإمام الخمينيّ (قُدِّس سرّه)، صحيفة الإمام، ج‏11، ص89.
[4] السيّد ابن طاووس، اللهوف في قتلى الطفوف، ص59.
[5] سورة المنافقون، الآية 8.
[6] ابن أعثم الكوفيّ، الفتوح، ج5، ص21.
[7] ابن نما الحلّيّ، مثير الأحزان، ص32.
[8] من كلامٍ للإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)، بتاريخ 12/12/2011م.

25-06-2026 | 01-37 د | 3 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net