الصفحة الرئيسية
بحـث
تواصل معنا
Rss خدمة
 
  تحريك لليسار إيقاف تحريك لليمين
الأسرة المؤمنة مصنع المقاومينالبصيرة طوق نجاةفَلَا تَهِنُواالخطاب الثقافي (رقم ٥) الخطاب الثقافي (رقم ٤) الخطاب الثقافي (رقم ٣) الخطاب الثقافي (رقم ٢) الخطاب الثقافي (رقم ١) شهادة الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)

العدد 1709 05 شهر رمضان 1447هـ - الموافق 23 شباط 2026م

صدَّقَتني وآمَنَت بي

من نحن

 
 

 

التصنيفات
البصيرة طوق نجاة
تصغير الخط تكبير الخط أرسل لصديق

البصيرة طوق نجاة

الحمد لله ربّ العالمين، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوكّل عليه، ونؤمن به ونثني عليه الخير كلّه، ونشهد أن لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقّ ليُظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون. اللهمّ صلِّ على محمّدٍ وآل محمّد، وبارك على محمّدٍ وآل محمّد، كما صلّيت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميدٌ مجيد.

عباد الله، إنّ من أعظم ما يحتاجه الإنسان في مسيرته إلى الله، وفي خضمّ ما يحيط به من فتنٍ واضطراباتٍ وصراعاتٍ، هو أن يمتلك نوراً يهديه، وميزاناً يضبط به مواقفه، وبوصلةً تمنعه من الانحراف عن الطريق؛ وهذا كلّه لا يتحقّق إلّا بالبصيرة. فالبصيرة ضرورةٌ إيمانيّة، بها يُعرف الحقّ من الباطل، ويتميّز الصادق من الكاذب، ويثبت الإنسان عند اشتداد الفتن وكثرة المضلّات.

وقد لفت القرآن الكريم إلى خطورة فقدان هذه البصيرة، حين بيّن أنّ المشكلة ليست في فقدان البصر، بل في عَمى القلب، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَـكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾[1]، فكم من مبصرٍ بعينه وهو أعمى ببصيرته! وكم من إنسانٍ يرى الأشياء ولكنّه لا يُدرك حقائقها!

معنى البصيرة وحدودها
إنّ البصيرة هي البيّنة والدلالة التي يُبصِر بها الإنسانُ الشيءَ على ما هو به، فهي للقلب بمنزلة البصر للعين؛ إذ تمثّل إدراكاً وفهماً ورؤيةً ذهنيّةً عقليّةً تتجاوز ظاهر الأشياء إلى حقائقها. وهي نورٌ يهتدي به الإنسان إلى الحقّ تعالى، فيرى بنور قلبه ما لا تُدركه الحواسّ، كما ورد في جواب أمير المؤمنين (عليه السلام) حين سُئل: هل رأيت ربّك حين عبدته؟ فقال: «ويلك، ما كنت أعبد ربّاً لم أره!»، قيل: وكيف رأيته؟ قال: «ويلك، لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان»[2].

وعلى هذا الأساس، يكون عَمى القلب في فقدان هذه البصيرة، حين يغلب الوهمُ على العقل، فيتحوّل العمل -مهما كثر- إلى سرابٍ يُخيَّل للظمآن أنّه ماء. لذا، كانت البصيرة من الصفات الجوهريّة للمؤمن، لا تُختزل في كثرة معلوماتٍ أو سعة اطّلاع، بل هي قوّةٌ يميّز به الإنسان بين الحقّ والباطل، والصدق والزيف، والحقيقة والشعار. وهي وعيٌ حيٌّ يقود إلى الموقف الصحيح، ويحصّن من الانخداع بالشعارات أو الانجراف مع الأكثريّة، ويمنع من الوقوع في العجب والغرور، عبر إدراك العلاقة الواقعيّة بين الأسباب وإرادة الله تعالى.

وقد لخّص أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا المعنى بقوله: «فَإِنَّمَا الْبَصِيرُ مَنْ سَمِعَ فَتَفَكَّرَ، ونَظَرَ فَأَبْصَرَ، وانْتَفَعَ بِالْعِبَرِ»[3]، فالبصير ليس مَن يكتفي بالسماع، بل مَن يُحسن الإصغاء، فيُتبعه تفكّراً وتأمّلاً؛ لأنّ السماع إذا لم يتحوّل إلى وعيٍ يبقى مجرّد أصواتٍ عابرة، وقد رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام)، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليهم السلام): «قال عيسى بن مريم (عليه السلام): طوبى لمن كان صمته فكراً، ونظره عبراً»[4]، حيث يتجلّى في ذلك أنّ الصمت امتلاءٌ بالتفكير، وأنّ النظر بابٌ إلى الاعتبار. وهكذا تتشكّل البصيرة كحركةٍ داخليّةٍ متكاملة، تبدأ بإدراكٍ واعٍ، ثمّ تتعمّق بتفكّرٍ مسؤول، لتنتهي إلى موقفٍ عمليٍّ يترجم هذا الوعي سلوكاً حيّاً.

من هنا، يفرّق القرآن الكريم بين البصر والبصيرة، فيقول تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَـكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾[5]، فالعمى الحقيقيّ هو عَمى القلب عن رؤية الحقائق، وقد أكّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هذا المعنى بقوله: «ليس الأعمى مَن يعمى بصره، إنّما الأعمى مَن تعمى بصيرته»[6].

البصيرة في مواجهة الشعارات والأكثريّة
وإذا تبيّن أنّ البصيرة نورٌ يهدي إلى الحقّ ويضبط حركة الإنسان في الفكر والموقف، فإنّ الحاجة إليها تشتدّ في زمنٍ تطغى فيه الشعارات، وتُزيَّف فيه الحقائق، ويكثر فيه الانجراف وراء الأكثريّة؛ إذ عند هذا المفترق يظهر الدور الحاسم للبصيرة بوصفها الميزان الذي يُعيد للأمور نصابها. فصاحب البصيرة لا يُخدع ببريق الشعار؛ لأنّه ينفذ إلى ما وراءه، ولا ينساق مع الكثرة لمجرّد كثرتها؛ لأنّه يزِن المواقف بميزان الحقّ لا بميزان العدد. وقد نبّه القرآن الكريم إلى خطورة هذا الانسياق بقوله تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾[7]، مؤكّداً أنّ الكثرة ليست معياراً للحقيقة، بل قد تتحوّل إلى طريقٍ للضلال إذا لم تُضبط بنور البصيرة.

وهنا تتجلّى خطورة فقدان هذا النور، فإنّ الإنسان قد يمتلك الإيمان والتقوى وروح التضحية، ولكنّه يضلّ الطريق في الموقف؛ وقد عبّر عن ذلك شهيد الأمّة سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله عليه) بقوله: «عندما يفقد الإنسان الوعي والبصيرة، مع أنّه يملك الإيمان والتقوى والروح الجهاديّة والاستعداد للتضحية، قد يقاتل في المكان الخطأ، قد يقف حيث يجب أن يقعد، أو يقعد حيث يجب أن يقف»[8].

من هنا أيضاً، تتجلّى قاعدةٌ أساسيّة في الوعي الإيمانيّ، وهي أنّ الحقّ لا يُعرف بالرجال، بل الرجال يُعرفون بالحقّ، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ دينَ الله لا يُعرَف بالرجال، بل بآية الحقّ، فاعرفِ الحقَّ تعرفْ أهلَه»[9]، وبذلك يتحرّر الإنسان من التبعيّة العمياء، فلا يكون أسير ضجيج إعلاميّ، أو رهينة عواطف جماعيّة، بل صاحب موقفٍ مستقلٍّ يقوم على فهمٍ عميقٍ ورؤيةٍ واعية. وفي هذا السياق تتّضح حقيقة البصيرة كما عبّر عنها الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرُّه)، قائلاً: «البصيرة هي البوصلة وكشّاف النور في الفضاء المظلم، البصيرة هي المنوِّر، البصيرة تدلّنا على الطريق»[10]؛ وبذلك تمنح الإنسان القدرة على الثبات وسط التباسات الواقع وتعقيداته.

لا نجاة إلّا بالبصيرة
عباد الله، إنّ البصيرة ليست حالةً نظريّةً، أو مجرّد قناعةٍ كامنةٍ في القلب، بل هي سلوكٌ عمليّ ينبغي أن يُترجم في المواقف والاختيارات. فكم من إنسانٍ يعرف الحقّ ولا يتّبعه، ويدرك الباطل ولا يجتنبه أو يسكت عنه، وهؤلاء لا يُعدّون من أهل البصيرة؛ لأنّ البصيرة الحقيقيّة هي التي تدفع صاحبها إلى العمل، وتُلزمه بمقتضى ما علم. ومن هنا جاء البيان القرآنيّ واضحاً في ربط البصيرة بالفعل والدعوة، قال تعالى: ﴿قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾[11]، فالدعوة إلى الله لا تقوم على معرفةٍ مجرّدة، بل على بصيرةٍ حيّةٍ تتحوّل إلى موقفٍ ثابتٍ وسلوكٍ ملتزم. وبذلك تُصبح البصيرة مسؤوليّةً تُحتّم على الإنسان اختيار الموقف الحقّ والثبات عليه، ولو خالفه الناس، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لَا تَسْتَوْحِشُوا فِي طَرِيقِ الْهُدَى لِقِلَّةِ أَهْلِه»[12]، فصاحب البصيرة لا تُرعبه قلّة الناصر، ولا يُربكه كثرة المخالف؛ لأنّه يرى الحقّ واضحاً أمامه.

وإنّنا نعيش في زمنٍ تختلط فيه المفاهيم، وتتكاثر فيه الشبهات، وتتعدّد فيه الأصوات، ولا نجاة فيه إلّا بالبصيرة. وهذه البصيرة لا تُنال إلّا بالسعي إليها وتنميتها عبر مساراتٍ واضحة: أوّلها التفقّه في الدين، كما ورد عن الإمام الكاظم (عليه السلام): « تفقّهوا في دين الله، فإنّ الفقه مفتاح البصيرة وتمام العبادة والسبب إلى المنازل الرفيعة والرتب الجليلة في الدّين والدنيا»[13]. وثانيها التدبّر في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾[14]؛ وثالثها التأمّل في تجارب التاريخ واستخلاص العِبَر منها؛ ورابعها الرجوع إلى أهل العلم الموثوقين؛ وخامسها محاسبة النفس باستمرار.

وفي المقابل، فإنّ ما يُطفئ هذا النور ويُفقد الإنسان بصيرته أمورٌ خطيرة، في طليعتها عشق الشهوات، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «ومَنْ عَشِقَ شَيْئاً أَعْشَى بَصَرَه، وأَمْرَضَ قَلْبَه، فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْنٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ، ويَسْمَعُ بِأُذُنٍ غَيْرِ سَمِيعَةٍ، قَدْ خَرَقَتِ الشَّهَوَاتُ عَقْلَه، وأَمَاتَتِ الدُّنْيَا قَلْبَه، ووَلِهَتْ عَلَيْهَا نَفْسُه»[15]؛ وكذلك حبّ الدنيا، إذ قال (عليه السلام): «لِحبِّ الدنيا صمّت الأسماع عن سماع الحكمة، وعميت القلوب عن نور البصيرة»[16]. فاحذروا ما يُطفئ نور قلوبكم، وتمسّكوا بما يُنير دربكم، لتسيروا على هدىً وثباتٍ في زمنٍ تشتدّ فيه الحاجة إلى البصيرة.


[1] سورة الحجّ، الآية 46.
[2] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج1، ص98.
[3] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص213، الخطبة 153.
[4] الشيخ الصدوق، الخصال، ص295.
[5] سورة الحجّ، الآية 46.
[6] المتّقي الهنديّ، كنز العمّال، ج1، ص243.
[7] سورة الأنعام، الآية 116.
[8] من كلامٍ له (رضوان الله عليه) في يوم الجريح، بتاريخ 08/03/2022م.
[9] الشيخ المفيد، الأمالي، ص5.
[10] من كلامٍ له (قُدِّس سرُّه)، بتاريخ 26/10/2010م.
[11] سورة يوسف، الآية 108.
[12] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص319، الخطبة 201.
[13] ابن شعبة الحرانيّ، تحف العقول، ص410.
[14] سورة الأنعام، الآية 104.
[15] السيّد الرضيّ، نهج البلاغة، ص160، الخطبة 109.
[16] الليثيّ الواسطيّ، عيون الحكم والمواعظ، ص404.

13-05-2026 | 12-31 د | 7 قراءة


 
صفحة البحــــث
سجـــــــل الزوار
القائمة البريـدية
خدمــــــــة RSS

 
 
شبكة المنبر :: المركز الإسلامي للتبليغ - لبنان Developed by Hadeel.net