الثبات على نهج المقاومة والوفاء لدماء الشهداء
الحمد لله ربّ العالمين، نحمده على ما أنعم، ونستعين به في الشدائد والملمّات، ونستهديه سُبُل الرشاد، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيّئات أعمالنا. الحمد لله الذي جعل في الأمّة بقيّةً صالحةً تقف في وجه الطغيان، وتحمل راية الحقّ مهما اشتدّت المحن وعظمت التضحيات.
والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأكرم المرسلين، سيّدنا ونبيّنا محمّد، وعلى آله الطيّبين الطاهرين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾[1].
أيّها المؤمنون،
نعيش في زمنٍ تتكالب فيه قوى الاستكبار على شعوبنا، وتشتدّ فيه الفتن، وتتعاظم فيه التحدّيات، ولكن في المقابل، تتجلّى فيه سنن الله تعالى في نصرة المستضعفين، ورفع راية الحقّ، وإحياء روح العزّة والكرامة في هذه الأمّة.
ومن أبرز تجلّيات هذه السنّة الإلهيّة في عصرنا، قيام الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، التي شكّلت منذ انتصار ثورتها المباركة على يدَي الإمام الخمينيّ العظيم (قُدِّس سرّه) حصناً منيعاً في وجه الظلم، وركيزةً أساسيّة في دعم قضايا الأمّة، وفي طليعتها قضيّة فلسطين، وقضايا المستضعفين في كلّ مكان.
لم تكن هذه الجمهوريّة يوماً مشروعاً سياسيّاً عابراً، بل كانت -ولا تزال- مشروعاً إسلاميّاً محمّديّاً أصيلاً، يستمدّ جذوره من نهج أهل البيت (عليهم السلام)، ويستند إلى فكرٍ مقاومٍ يرفض الخضوع للهيمنة، ويرفع شعار الاستقلال والعزّة والكرامة.
أيّها الأحبّة،
إنّ الارتباط بهذه الجمهوريّة ليس ارتباطاً سياسيّاً فحسب، بل هو ارتباط عقائديّ وفكريّ، قائم على وحدة المسار والهدف، وعلى نصرة الحقّ ومواجهة الباطل. ومن هنا، فإنّ الواجب يقتضي أن نُعبّر عن شكرنا العميق لهذه الدولة التي لم تبخل يوماً بالدعم؛ لا بالمال، ولا بالسلاح، ولا بالموقف، ولا بالكلمة.
نُوجّه الشكر إلى هذه الجمهوريّة التي وقفت حيث تخلّى الكثيرون، وساندت مقاومتنا حين حوصرت، وثبّتت أقدام المجاهدين حين اشتدّت المعارك.
ولا يمكن أن نذكر هذا المسار المبارك من دون أن نقف بخشوعٍ وإجلالٍ عند ذكر الوليّ الشهيد الإمام الخامنئيّ (قُدِّس سرّه)، الذي حمل لواء هذه المسيرة بعزمٍ لا يلين، وبصيرةٍ نافذة، وإيمانٍ راسخ.
لقد كان صوتاً للحقّ في زمن الصمت، ورايةً للهداية في زمن الضلال، وقائداً جسّد معنى الولاية في ميدان العمل والجهاد، ولم يتراجع أمام الضغوط، ولم يساوم على الثوابت.
إنّ هذا النهج الذي يمثّله هذا القائد العظيم، هو نهجُ الثبات على المبادئ، وعدم التنازل أمام الضغوط، والاستمرار في دعم قضايا الأمّة مهما بلغت التضحيات، وقد كان هو (قُدِّس سرّه) على رأس هذه التضحيات، بالغاً أعلى مراتب البرّ، خاتماً حياته بأشرف أنواع الموت، ليبقى نهجه حيّاً فينا، ومسؤوليّةً على عواتقنا.
أيّها المؤمنون،
إنّ ما نراه اليوم من صبركم وثباتكم، ومن تحمّلكم للآلام والشدائد، هو موضع افتخارٍ واعتزاز. إنّكم تُجسّدون بأفعالكم معنى الإيمان الحقيقيّ، وتُثبتون أنّ هذه الأمّة قادرة على الصمود مهما اشتدّت المحن.
لقد فقدتم الأحبّة، وتهدّمت البيوت، وضاقت بكم سُبُل العيش، ولكنّكم لم تفقدوا إيمانكم، ولم تتخلَّوا عن كرامتكم، ولم تفرّطوا بثوابتكم. وهذا هو النصر الحقيقيّ، قبل أيّ نصرٍ عسكريّ أو ميدانيّ.
قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾[2]؛ فالصبر هو سرّ القوّة، والثبات هو طريق النصر، ومَن يصبر ويثبت، فإنّ الله لا يضيع أجره، بل يرفعه درجاتٍ في الدنيا والآخرة.
لقد كنتم مصداقاً لقول الإمام الباقر (عليه السلام): «المؤمن أصلب من الجبل؛ الجبل يُستقَلُّ منه، والمؤمن لا يُستقَلُّ من دينه شيء»[3].
أيّها الأعزّاء،
ولا يسعنا في هذا المقام إلّا أن ننحني إجلالاً أمام دماء الشهداء الطاهرة، الذين كتبوا بدمائهم تاريخ العزّة، ورسموا بضحاياهم طريق الكرامة: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾[4].
هؤلاء الشهداء الذين تركوا الدنيا وزخرفها، واختاروا لقاء الله، فكانوا مصداقاً لقوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾[5].
هم أحياءٌ عند ربّهم يُرزقون، وهم شفعاؤنا يوم القيامة، وهم مشاعل دربنا في هذه الحياة. لا تنسَوهم من دعائكم، ولا تنسَوا عوائلهم من رعايتكم واهتمامكم، وإنّ أدنى الوفاء لهم هو أن نحفظ دماءهم، ونكمل مسيرتهم.
كما نُحيّي المجاهدين المرابطين في ساحات العزّة، الذين يسهرون ليأمن الناس، ويجاهدون ليبقى هذا الوطن عزيزاً كريماً. هؤلاء الذين قدّموا أرواحهم رخيصةً في سبيل الله، ولم يتردّدوا في مواجهة أعتى قوى الظلم. إنّ عملهم هذا هو أشرف الأعمال بعد الإسلام، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «ثُمَّ إِنَّ الْجِهَادَ أَشْرَفُ الْأَعْمَالِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ قِوَامُ الدِّينِ، وَالْأَجْرُ فِيهِ عَظِيمٌ، مَعَ الْعِزَّةِ وَالْمَنَعَةِ»[6].
وقد أعزّهم الله، وخصّهم يوم القيامة بأن جعل لهم باباً باسمهم من أبواب الجنّة، عن الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله): «للجنّة باب يُقال له: باب المجاهدين، يمضون إليه، فإذا هو مفتوح، وهم متقلّدون بسيوفهم والجمع في الموقف، والملائكة ترحّب بهم»[7].
أيّها المؤمنون،
إنّ المرحلة التي نعيشها تتطلّب منّا وعياً كبيراً، وثباتاً أشدّ، وتمسّكاً أعمق بخيار المقاومة، وعدم الانجرار خلف حملات التشكيك والتثبيط. فكما أنّ هناك مَن يقدّم الدم، ثمّة مَن يحاول أن يهدم المعنويّات، ويزرع اليأس، ويُضعف الإرادة؛ فكونوا على بصيرة، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُو﴾[8]، واعلموا أنّ النصر وعدٌ إلهيّ، ولكنّه يحتاج إلى صبرٍ وثباتٍ وتضحية.
نسأل الله تعالى أن يحفظ هذه الأمّة، وأن ينصر المجاهدين، وأن يتقبّل الشهداء، وأن يشفي الجرحى، وأن يُثبّتنا على الحقّ. اللهمّ اجعلنا من أنصار دينك، ومن السائرين على نهج أوليائك، ومن الثابتين في ميادين المواجهة، ولا تجعلنا من المتخاذلين ولا من المتردّدين، ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾[9].
[1] سورة الحجّ، الآية 40.
[2] سورة الأنفال، الآية 65.
[3] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج2، ص241.
[4] سورة محمّد، الآيات 4 – 6.
[5] سورة الأحزاب، الآية 23.
[6] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج5، ص37.
[7] الشيخ الكلينيّ، الكافي، ج5، ص2.
[8] سورة آل عمران، الآية 103.
[9] سورة البقرة، الآية 250.









