البلاغات التأريخيّة

إيضاح

إنّ المقصود من هذا العنوان هو التأثير الذي تركته أو يجب أن تتركه "واقعة عاشوراء" على الحركات التأريخيّة، والفكر التأريخيّ، وتفكيك وتحليل الحوادث التي هي قريبة العهد بزمان عاشوراء، وكذلك التأثير الذي تركته أو تتركه أو ما يمكنها أن تتركه في الأزمنة التي تلتها إلى عصرنا الحاضر.

كلّ حادثة تأريخيّة لها آثار ونتائج مختلفة تترتب عليها، أو أنّها على الأقلّ تشكّل الأرضيّة الممهّدة لخلق تلك الآثار والنتائج، بشرط أن تكون خلفيّات وجذور هذه الحادثة التأريخيّة معروفة ويمكن التعريف بها أيضاً.

وفي هذه الحالة يكون بإمكان التأريخ أن يتجاوز مهمّة "نبش القبور" و"استغابة الموتى" و"نقل الوقائع الماضية"، ليكون مرتكزاً لخلق الحركة نحو المستقبل، ومنبعاً لاستلهام كلّ ما هو صحيح وأفضل. وبهذا التوضيح ندرك أنّ بلاغات عاشوراء التأريخيّة لا تنحصر في البلاغات التأريخيّة الصريحة الخطاب إلى المستقبل، بل تشمل أيضاً معرفة القوى الخفيّة الكامنة في باطن الحدث التأريخيّ، وذلك من أجل استلهام العبر والمواعظ والدروس النافعة والمؤثّرة في تصحيح مسار الحياة الفرديّة والاجتماعيّة في الخطاب الموجّه إلى الأجيال القادمة.

وبهذه النظرة تتجاوز واقعة عاشوراء صورة "حادثةٍ ما ماضية" لتتجلّى في صورة حيّة نابضة، هي صورة "ذخائر نفيسة من الهداية، والعبر، والدروس للأجيال القادمة"، ونحن بإمكاننا أن نتلقّى "البلاغ" من عاشوراء، وأن نتعلّم "الدرس" منها، وأنْ نأخذ منها "العبرة" التي هي الأهمّ، وكون العبرة هي الأهمّ نكتة طالما أكّد عليها مراراً قائد


193


الثورة المعظّم آية الله الخامنئيّ في أقواله وتحذيراته، حيث يقول:

"... إنّ ما هو أهمّ من دروس عاشوراء، عبر عاشوراء" !


إنّ الانتباه إلى دور الإنسان الواعي والملتزم في بناء التأريخ والتأثير في مجرى الحوادث التأريخيّة أمرٌ مهمّ، من هنا يمكن إلفاتُ انتباه النّاس إلى قدرتهم على التأثير وخلق الحركة، وتبديل حالهم من أُناسٍ خاضعين تماماً لحركة أحداث التأريخ ولمن يصنع أمواجها وأعاصيرها، ولا يرون لأنفسهم إرادة أو قدرة على تغيير أحوالهم، إلى أُناسٍ يشكّلون القوى المؤثّرة والفعّالة في هذا المجال.

ومن المُسلّم أنّ ظُلمات التأريخ المعتمة لا ينيرها في البدء إلّا الروّاد الأوائل الذين هم المصابيح التي تهدي إلى الطريق، وترشد إلى الأهداف والمقاصد، وهم الذين يحيون الآمال بعد موتها، ثمّ هم الذين يصنعون من الآخرين شموعاً كثيرة تحترق لإنارة الظلمة وإراءة الطريق وهداية الجماهير من بعدهم.

إنّ دور وأثر "القدوة" و"الرائد" في صنع التحوّلات التأريخيّة أمرٌ واضح ومهمّ جدّاً، إذ لا يعرف التأريخ حركة إجتماعيّة مهما بلغت من السعة والقوّة كانت قد حقّقت أهدافها وبلغت مقاصدها بدون القدوة والرائد، بل عرف التأريخ في مسير التحوّلات الاجتماعيّة حركات جماهيريّة واسعة وقويّة لكنّها لم تحقّق أملاً من آمالها أو هدفاً من أهدافها بسبب فقدانها القائد الرائد.

إنّ صنّاع التحوّلات التأريخيّة هم أولئك المؤمنون بإرادتهم، العارفون بالزمان والمكان المناسب لكلّ خطوة من خطواتهم، الناهضون بتكليفهم التأريخيّ في الموقع المناسب.


194


تاريخ الإسلام أم تاريخ المسلمين؟

لقد كانت بعثة النبيّ الأكرم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم بداية فصل جديد في تاريخ البشريّة، إذ أوجدت إنقلاباً أساسيّاً في الأفكار، والعقائد، والأخلاق، والسلوك، والنظام السياسيّ، والبنية الإجتماعيّة، ومعايير القيم.

فما يعرف باسم "تاريخ الإسلام" هو مجموعة هذه التحوّلات التي شملت جميع المجالات في فكر وحياة الإنسان في عصر البعثة.

أمّا بعد رحلة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقد عادت المعايير الجاهليّة هي الحاكمة، واتّجه الإرتقاء الروحيّ والمعنويّ في المسلمين نحو الأفول والزوال، وضعفت تلك القيم المقدّسة التي كانت على عهد النبوّة بعد ارتحال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.

ولقد دوّن المؤرّخون حوادث تلك السنين تحت عنوان "تأريخ الإسلام"، إلّا أنّنا إذا أدرجنا أحداث تلك الفترة تحت عنوان "تاريخ المسلمين" كان ذلك أدقّ وأصدق ممّا إذا دوّنّاها تحت عنوان "تأريخ الإسلام"1.

لم تكن الخصومة بين أهل البيت عليهم السلام ومخالفيهم، أو العداء بين بني هاشم وبني أميّة، خصومة أو عداء بسبب شخصيّ أو قبليّ، بل كان هذا التعارض يستمدّ وقوده من تعارض فكريّ واعتقاديّ وعمليّ، يقول الإمام الصادق عليه السلام في تشخيصه الدقيق لجذور هذا التعارض بين هذين التيّارين:


195


"إنّا وآلُ أبي سفيان أهلُ بيتين تعادينا في الله، قلنا: صدق الله، وقالوا: كذب الله"2.

أي أنّ النزاع قائم بين طائفتين إحداهما مؤمنة بالله ومصدّقة بكلّ ما جاء من عنده، وأخرى كافرة بالله تكذّبه بكلّ ما جاء من عنده من عقيدة ودين.

إنّ فصل مسير تأريخ الإسلام عن أهل بيت العصمة عليهم السلام كان السبب في فسح المجال للتوجيهات غير المقبولة لكثير من تصرّفات الحكّام الطغاة على أساس معايير ومباني دينيّة، في حين أنّ معايير ومباني الإسلام المحمّديّ الخالص إسلام أهل البيت عليهم السلام تدين تلك التصرّفات وتبرأ منها.

كما لوّث وشوّه المؤرّخون المحترفون المرتبطون ببلاط الحاكم الظالم وجه التأريخ أيضاً من خلال اختلاقهم لوقائع ونصوص لا حقيقة لها، الأمر الذي خلط الحقّ بالباطل، وجعل من الصعب جدّاً في بعض الأحيان التمييز بين النصّ الصادق والآخر الكاذب، حتّى صار من العسير على المتتبّع الاستناد إلى كثير من المتون التأريخيّة.

في هذا الجوّ، صارت معرفة الصدق من الكذب، والحقّ من الباطل في الحوادث التأريخيّة رسالة تحقيقيّة ثقيلة وضروريّة أيضاً، وهي كذلك عمل صعب ومحتاج إلى الدّقة.

وفي صدد واقعة عاشوراء أيضاً، هناك أحياناً أمور غير واقعيّة وضعيفة زيدت على النقل التأريخيّ، وقد ترسّخت في فكر النّاس وأذهانهم، وهي لا تتلائم مع روح نهضة عاشوراء ولا مع المتون التأريخيّة المعتبرة وهذا الأمر يجعل من اللازم تنقية وتصفية الآثار المرتبطة بعاشوراء من كلّ كذب وتزوير، ومن نقل المسائل والقضايا الضعيفة3.

إنّ المعرفة التأريخيّة المعمّقة هي التي تستطيع أن تقرأ ما وراء السطور وما وراء ظواهر الحوادث والأخبار وهي التي بإمكانها أن تكشف عن المعاني الأخرى


196


للحوادث، وبدون هذه المعرفة قد لا يمكن تقديم تحليل صحيح للقضايا التأريخيّة.

لقد وصف الإمام الحسين عليه السلام في خطبته الثانية يوم عاشوراء جيش الكوفة بهذه الأوصاف والألقاب التالية حيث قال:

"... فسحقاً لكم يا عبيد الأمّة وشذّاذ الأحزاب ونبذة الكتاب ومحرّفي الكلم وعصبة الإثم ونفثة الشيطان ومطفئي السنن! ويحكم! أهؤلاء تعضدون وعنّا تتخاذلون؟! أجل والله غدر فيكم قديم، وشجت عليه أصولكم وتآزرت فروعكم، فكنتم أخبث ثمرة، شجى للناظر وأكلة للغاصب!..."
4.

ففي هذا البيان أيضاً نرى الإمام عليه السلام يقرّر أنّ أولئك إذن بقيّة تلكم القبائل والأحزاب الجاهليّة المعاندة، وأنّهم الثمرة المرّة لشجرة عداوة بني أميّة لدين الله.

فهو إذن تقرير وبلاغ من الإمام المعصوم (الإمام الحسين عليه السلام نفسه) للتعريف بحقيقة الذين شاركوا في صفّ جيش بني أميّة في فاجعة عاشوراء المريرة.

إذن فمعرفة جذور أيّ حادثة من الحوادث ومعرفة القضايا الممهّدة لها من البلاغات الأخرى لعاشوراء.


197


إتمام الحجّة

لكلّ أمّة في الأحداث التأريخيّة التي تخوضها، ولجميع صانعي التأريخ في التحوّلات الاجتماعيّة التي يقودونها، مرتكزات وحجج ودلائل تشكّل المستند المعتمد لخطّ السير في التحرّك نحو تحقيق الأهداف المنشودة.

والنّاس يسألون ويبحثون عن الحجّة والسند المعتمد لما يقومون به من عمل أو لتقييم عمل الآخرين.

وصانعو التاريخ أيضاً يقدّمون الحجّة على أعمالهم عند استجوابهم بين يدي قاضي "الوجدان" في "محكمة التأريخ".

ولا بدّ من "إتمام الحجّة" من أجل قطع الطريق أمام أيّ عذر أو ذريعة يتشبّث بهما المخالفون أو المتخلّفون، ومن أجل أن يسجّل التأريخ هذه الحجّة ويثبتها. لكي لا يقول الآخرون: لم نعلم، لم نسمع، لم يقل لنا أحدٌ شيئاً، لو كنّا نعلم لفعلنا كذا وكذا، لو كنّا نعرف لعملنا بطريقة أخرى، وأمثال هذه المقولات وهذا الادّعاءات!

في الحروب الإسلاميّة لا بدّ من "إتمام الحجّة" قبل الاحتكام إلى السلاح، ومن خلال الآيات والبيّنات لا بدّ من التعريف بالحقّ وسبيله وبالباطل وسبيله، والكشف عن الهدى ومطالبه وعن الضلال ودعاواه، حتّى إذا وقعت الحرب، أو وقع العذاب الإلهيّ على قوم بسوء فعلهم وموقفهم، تكون الحجّة قد تمّت عليهم قبل ذلك كي لا يقولوا: لولا أريتمونا الحقَّ والصواب أو أبلغتمونا بهما!

وقد ورد في مواضع عديدة من القرآن الكريم ذكر"البيّنة" و"الحجّة" في بلاغات


198


 الأنبياء عليهم السلام، وكذلك عرضهم الآيات الإلهيّة والمعاجز على النّاس، وكلّ ذلك من أجل "إتمام الحجّة"، ليؤمن من آمن عن بيّنة وحجّة وليهلك من هلك عن بيّنة.

﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ5.

كما أنّ بعض الأنبياء والرسل مبشّرين ومنذرين في الرؤية القرآنيّة من أجل إتمام الحجّة أيضاً، حتّى لا تبقى للناس بعد بعثة الرسل حجّة وذريعة ومستمسكٌ على كفرهم وطغيانهم وضلالهم.

﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ6.

وفي نهضة عاشوراء كان الإمام الحسين عليه السلام وأنصاره (قدّس سرّهم) قد أتمّوا الحجّة على أعدائهم قبل أن يقع القتال وتسفك الدماء وتزهق الأنفس، حيث أوضح الإمام عليه السلام تمام الإيضاح عن هدفه وغايته من قدومه نحو الكوفة وأنّ ذلك كان استجابة لدعوة أهلها، كما عرّفهم بنفسه المقدّسة وبنسبه الطاهر الزاكي تمام التعريف، وأثبت أنّهم لا يمتلكون أيّ حجّة أو سبب لمعاداته أو لقتاله وقتله.

كان سيّد الشهداء عليه السلام قبل يوم عاشوراء قد أرسل إلى عمر بن سعد رسولاً من أجل أن يلتقيا لقاءً خاصّاً ليكلّمه، عسى أن يرتدع عن ارتكاب تلك الجناية العظمى، فلمّا التقيا وعظه الإمام عليه السلام قائلاً: "ويلك يا ابن سعد! أما تتّقي الله الذي إليه معادك؟! أتقاتلني وأنا ابن من علمت؟! ذر هؤلاء القوم وكن معي فإنّه أقرب لك إلى الله تعالى.

فقال عمر بن سعد: أخاف أن تهدم داري.

فقال الحسين عليه السلام:أنا أبنيها لك.

فقال: أخاف أن تؤخذ ضيعتي.

فقال الحسين عليه السلام:أنا أخلف عليك خيراً منها من مالي بالحجاز.

فقال: لي عيالٌ وأخاف عليهم. ثمّ سكت، ولم يجبه إلى شيء!

فانصرف عنه الحسين عليه السلام وهو يقول: ما لك؟! ذبحك الله على فراشك عاجلاً،


199


ولا غفر لك يوم حشرك، فوالله إنّي لأرجو أن لا تأكل من برّ العراق إلّا يسيراً.

فقال ابن سعد: في الشعير كفاية عن البرّ. مستهزئاً بذلك القول"
7.

وهكذا نرى الإمام عليه السلام قد أتمّ الحجّة على عمر بن سعد ولم يترك له عذراً أو ذريعة إلّا وقدّم لها حلّاً هو الأفضل والأحسن لصالح ابن سعد، لكنّ هذا التعيس لم يستطع أن يتحرّر من هواه ويتخلّى عن مطامعه الدنيويّة.

وفي يوم عاشوراء لمّا دنا القوم من الإمام عليه السلام دعا براحلته فركبها، ثمّ نادى بأعلى صوته يسمع جلّ النّاس:

"أيّها النّاس! اسمعوا قولي، ولا تعجلوني حتّى أعظكم بما يحقّ لكم عليَّ، وحتّى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم، فإنْ قبلتم عذري وصدّقتم قولي، وأعطيتموني النصف، كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليَّ سبيل، وإن لم تقبلوا منّي العذر، ولم تعطوا النصف من أنفسكم
﴿فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ".

فلمّا سمع أخواته كلامه هذا صحن وبكين، وبكى بناته، وارتفعت أصواتهن، فأرسل إليهنّ أخاه العبّاس بن عليّ وعليّاً ابنه، وقال لهما: سكّتاهنّ فلعمري ليكثرنّ بكاؤهنّ!

فلمّا سكتن، حمد الله وأثنى عليه وذكر الله بما هو أهله، وصلّى على محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى ملائكته وأنبيائه، قال الراوي: فوالله ما سمعت متكلّماً قطّ قبله ولا بعده أبلغ في منطق منه! ثمّ قال:

"أمّا بعدُ فانسبوني فانظروا من أنا؟! ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، فانظروا هل يحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟! ألستُ ابن بنت نبيّكم صلى الله عليه وآله وسلم، وابن وصيّه وابن عمّه وأوّل المؤمنين بالله والمصدّق لرسوله بما جاء به من عند ربّه؟! أوليس حمزة سيّد الشهداء عمّ أبي؟! أوليس جعفر الشهيد الطيّار ذو الجناحين عمّي؟! أولم يبلغكم قول مستفيض فيكم أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لي وأخي: "هذان سيّدا شباب أهل الجنّة" ؟ فإنْ صدّقتموني بما أقول وهو الحقّ، فوالله ما تعمّدت كذباً مذ علمتُ أنّ الله يمقت عليه أهله، ويُضرّ به من اختلقه.


200


وإن كذّبتموني فإنّ فيكم من إنْ سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاريّ، أو أبا سعيد الخدريّ، أو سهل بن سعد الساعديّ، أو زيد بن أرقم، أو أنس بن مالك، يخبروكم أنّهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لي ولأخي، أفما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟! ".

فقال له شمر بن ذي الجوشن: هو يعبد الله على حرف إنْ كان يدري ما يقول! فقال حبيب بن مظاهر: والله إنّي لأراك تعبد الله على سبعين حرفاً، وأنا أشهد أنّك صادق ما تدري ما يقول، قد طبع الله على قلبك.

ثمّ قال لهم الحسين عليه السلام:"فإنْ كنتم في شكٍّ من هذا القول، أفتشكّون أثراً ما أنّي ابن بنت نبيّكم؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيّ غيري منكم ولا من غيركم، أنا ابن بنت نبيّكم خاصّة.

أخبروني، أتطلبوني بقتيلٍ منكم قتلته؟ أو مالٍ استهلكته؟ أو بقصاصٍ من جراحة؟" فأخذوا لا يكلّمونه...

فنادى: "يا شبث بن ربعيّ، ويا حجّار بن أبجر، ويا قيس بن الأشعث، ويا يزيد ابن الحارث، ألم تكتبوا إليَّ أن قد أينعت الثمار واخضرّ الجناب، وطمّت الجمام، وإنّما تقدم على جندٍ لك مجنَّدٍ، فأقبل؟! ".

قالوا له: لم نفعل!

فقال: "سبحان الله! بلى والله لقد فعلتم!".

ثمّ قال: "أيّها النّاس! إذا كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمني من الأرض!".

فقال له قيس بن الأشعث: أَوَلا تنزل على حكم بني عمّك، فإنّهم لن يروك إلّا ما تحبّ ولن يصل إليك منهم مكروه!!

فقال الحسين عليه السلام:"أنت أخو أخيك" أي محمّد بن الأشعث "أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل؟! لا والله! لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ إقرار العبيد!"، عباد الله
﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ، ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ.


201


ثمّ رجع، فأناخ راحلته، وأمر عقبة بن سمعان فعقلها"8.

ولم يستيقظ من جميع تلك الضمائر إلّا ضمير الحرّ بن يزيد الرياحيّ الذي اختار الآخرة على الدنيا، والجنّة على النّار، فالتحق بالإمام عليه السلام وانضمّ إلى معسكره.

كما أتمّ الإمام عليه السلام الحجّة حتّى على أنصاره، حتّى يبقى من يبقى معه على بصيرة وتصميم واعٍ، كان عليه السلام في طريقه من مكّة إلى العراق يُطلع الذين صحبوه على كلّ جديد من أوضاع الكوفة وتحوّلاتها، حتّى يرجع عنه من صحبه طمعاً في دنيا أو في حكم ومنصب، ولقد رجع هؤلاء عن الإمام عليه السلام فعلاً بعد أن تيقّنوا من انقلاب الكوفة ونكثها العهود ونقضها المواثيق، فما بقي معه إلّا أهل الإخلاص الذين وطّنوا أنفسهم على نصرته والاستشهاد بين يديه.

وحتّى هؤلاء الأفذاذ ما فتأ الإمام عليه السلام يختبرهم ويتمّ الحجّة عليهم في كلّ منزل من منازل الطريق وفي كلّ مناسبة، حتّى كان الاختبار الأخير ليلة عاشوراء حيث قال عليه السلام لهم: "أمّا بعد، فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرَّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي خيراً، ألا وإنّي لأظنُّ أنّه آخر يومٍ لنا من هؤلاء، ألا وإنّي قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعاً في حلّ، ليس عليكم حرج منّي ولا ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً"9.

وفي رواية أخرى: "... وليأخذ كلّ رجل منكم بيد صاحبه أو رجلٍ من إخوتي، وتفرّقوا في سواد هذا الليل، وذروني وهؤلاء القوم، فإنّهم لا يطلبون غيري، ولو أصابوني وقدروا على قتلي لما طلبوكم"10.

وفي جميع ميادين الصراع بين الحقّ والباطل التي يرعف بها الزمان في كلّ هذه الأرض، لا بدّ للقادة والروّاد ذوي البصيرة والوعي أن يدعموا مواقفهم ونهجهم وخطّ سيرهم بالبيّنات والدلائل والحجج التامّة من أجل أن يثبت التأريخ حقّانيتهم، ومن أجل قطع الطريق على كلّ عذر وذريعة يتشبّث بها متخلّف أو مخالف، ومن أجل أن لا يتّهمهم التأريخ في مستقبل الأيّام بالسكوت والمهادنة مع الظلم والجور.


202


فضح الباطل وتعريته

فضلاً عن دور التذكير بوقائع صراع الحقّ ضدّ الباطل في إحياء الحقّ وفضح الباطل، لا بدّ لإفشال خطط أتباع الباطل من فضح مؤامراتهم والكشف عن جناياتهم وجرائمهم، حتّى لا يبقى ما حدث طيّ "الكتمان".

كان لإفشاء الحقائق دائماً دور بنّاء في تنوير أذهان النّاس بواقعيّات الأحداث وفي تعبئتهم ضدّ الباطل.

وفي واقعة عاشوراء ومأساة كربلاء، كانت إحدى رسالات ومهمّات أفراد بقيّة الركب الحسينيّ فضح العدوّ وتعرية حقيقته وتوجيه الضربة إلى الحكم الأمويّ، من خلال الكشف عن حقيقة ما جرى في كربلاء.

ولعلّ أحد الأسباب التي جعلت الإمام الحسين عليه السلام يصطحب معه النساء والأطفال منذ بدء رحلته من المدينة إلى مكّة، ثمّ إلى كربلاء هو أنّ النساء والأطفال سيكونون شهود عيان لحركة أحداث النهضة وتفاصيل الواقعة ولجميع مشاهد مظلوميّة أهل البيت عليهم السلام، ووقائع مسرح الجريمة الكبرى، وسيحدّثون النّاس في مرحلة الأسر وما بعدها بكلّ ما شاهدوه، حتّى لا تبقى تلك الوقائع خلف حجب الإبهام والغموض وطيّ الكتمان.

وكان لدور الإمام السجّاد عليه السلام وزينب الكبرى عليها السلام في هذا الأمر أهميّة كبرى، إذ ما أن أتمّ الإمام السجّاد دفن أبيه عليهما السلام  وبقيّة الشهداء حتّى كتب على قبر أبيه: "هذا قبر الحسين بن عليّ بن أبي طالب، الذي قتلوه عطشاناً غريباً"11.


203


ولقد كان بإمكان الإمام السجّاد عليه السلام أن يكتب عبارة أخرى غير هذه العبارة، يذكر فيها أوصافاً أخرى لسيّد الشهداء عليه السلام، لكنّ تأكيده على أنّ أباه قد قتل على هذه الحال هو نوع من فضح العدوّ وتعرية حقيقته.

وفي خطبة له في الكوفة قال عليه السلام أيضاً:

"أنا ابن من قتل صبراً وكفى بذلك فخراً!"
12.

مع أنّ بإمكانه عليه السلام في معرض التعريف بنفسه المقدّسة وتعديده لافتخاراته أن يذكر أوصافاً أخرى!

ونراه عليه السلام يقول أيضاً في نفس تلكم الخطبة في الجموع الحاشدة من النّاس: "أيّها النّاس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا عليّ بن الحسين بن أبي طالب، أنا ابن من انتهكت حرمته، وسلبت نعمته، وانتهب ماله، وسبي عياله، أنا ابن المذبوح بشطّ الفرات من غير ذحل ولا ترات..."13.

فهو عليه السلام في تعريفه بنفسه يعرّف أباه الشهيد عليه السلام قبل أن يتعرّض لأوصافه هو ومحامده!، ويذكر الجرائم الفظيعة التي تعرّضت لها عترة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا فضح لابن زياد ولحكومة يزيد.

وفي خطابه المثير الذي فضح به الحكم الأمويّ وأيقظ به الغافلين، الذي ألقاه عليه السلام في قصر يزيد في الشام أمام جماهير النّاس ورجال السلطة الأمويّة وضيوف يزيد، كان عليه السلام قد كشف الأستار عن الحقائق التي أخفاها التعتيم الأمويّ عن النّاس، وكان ممّا قاله عليه السلام في هذا الخطاب:

".. أيّها النّاس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي، أنا ابن مكّة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الرداء، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى، وخير من طاف وسعى، وحجّ ولبّى، أنا ابن من حمل على البراق وبلغ به جبرئيل سدرة المنتهى، فكان من ربّه كقاب قوسين أو أدنى، انا ابن من صلّى بملائكة السماء، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى، أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله ببدر وحنين، ولم يكفر بالله طرفة عين، أنا


204


ابن صالح المؤمنين، ووارث النبيّين، ويعسوب المسلمين، ونور المجاهدين، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، ومفرّق الأحزاب، أربطهم جأشاً، وأمضاهم عزيمة، ذاك أبو السبطين الحسن والحسين، عليّ بن أبي طالب.

فلمّا بلغ إلى هذا الموضع ضجّ النّاس بالبكاء، وخشي يزيد الفتنة فأمر المؤذّن أن يؤذّن للصلاة، فقال المؤذّن: الله أكبر.

قال الإمام: الله أكبر وأجلّ وأعلى وأكرم ممّا أخاف وأحذر.

فلمّا قال المؤذّن: أشهد أن لا إله إلّا الله.

قال عليه السلام:نعم، أشهد مع كلّ شاهدٍ أن لا إله غيره، ولا ربّ سواه. فلمّا قال المؤذّن: أشهد أنّ محمّداً رسول الله.

قال (الإمام) للمؤذّن: أسألك بحقّ محمّد أن تسكت حتّى أكلّم هذا! والتفت إلى يزيد وقال: هذا الرسول العزيز الكريم جدُّك أم جدّي؟ فإنْ قلت جدّك علم الحاضرون والنّاس كلّهم أنّك كاذب، وإنْ قلت جدّي فلم قتلت أبي ظلماً وعدواناً، وانتهبت ماله، وسبيت نساءه، فويل لك يوم القيامة إذا كان جدّي خصمك!

فصاح يزيد بالمؤذّن: أقم للصلاة! فوقع بين النّاس همهمة، وصلّى بعضهم وتفرّق الآخر!"
14.

لقد كان يزيد يتوقّع هذه النتيجة وهذا الافتضاح، ولذا فقد أبى في البداية أن يأذن للإمام السجّاد عليه السلام بالكلام حين طلب منه ذلك لكنّ من حوله من رجاله ألحّوا عليه وقالوا له: ائذن له! ما قدر أن يأتي به هذا الفتى المريض الأسير في حضور الأمير؟! "فقال يزيد: إنّ هؤلاء ورثوا العلم والفصاحة، وزقّوا العلم زقّاً! وما زالوا به حتّى أذن له"15، وفي رواية أنّه قال: إذا رقى المنبر فلن ينزل إلّا بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان!16

كان الإمام السجّاد عليه السلام يلتزم الصمت في طول طرق رحلة الأسر، فلم يكن يكلّم


205


جلاوزة الظالم حتّى بكلمة واحدة، ذلك لأنّه كان يعلم بخبث سرائرهم وقسوتهم، لكنّه عليه السلام كان يستثمر كلّ مكان ومجال مناسب لتنوير أذهان النّاس ببيان حقائق الأمور وفضح العدوّ وتعرية حقيقته، فمثلاً: عند أوّل دخول ركب السبايا الشام "دنا شيخ من السجّاد عليه السلام وقال له: الحمد لله الذي قتلكم وأمكن الأمير منكم!

فقال عليه السلام له: يا شيخ! أقرأت القرآن؟ قال: بلى، قال عليه السلام:أقرأت:
﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى، وقرأت قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ، وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى

قال الشيخ: نعم قرأت ذلك.

فقال عليه السلام:نحن والله القربى في هذه الآيات.

ثمّ قال له الإمام: أقرأت قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا؟ قال: بلى.

فقال عليه السلام:نحن أهل البيت الذين خصّهم الله بالتطهير.

قال الشيخ: بالله عليك! أنتم هم؟

فقال عليه السلام:وحقّ جدّنا رسول الله إنّا لنحن هم من غير شكّ.

فوقع الشيخ على قدميه يقبّلهما ويقول: أبرأ إلى الله ممّن قتلكم. وتاب على يد الإمام ممّا فرّط في القول معه، وبلغ يزيد فعل الشيخ وقوله فأمر بقتله"
17!

وعند عودة الركب الحسينيّ إلى المدينة المنوّرة وقد سبقه إليها بشير بن حذلم ينعى إلى النّاس الإمام الحسين عليه السلام ويخبرهم بمقدم عليّ بن الحسين عليه السلام مع عمّاته وأخواته، خرج النّاس يهرعون ولم تبق مخدّرة إلّا برزت تدعو بالويل والثبور، وضجّت المدينة بالبكاء، فلم يُر باكٍ أكثر من ذلك اليوم، واجتمعوا على زين العابدين يعزّونه، فخرج من الفسطاط وبيده خرقة يمسح بها دموعه، وخلفه مولى معه كرسيّ، فجلس عليه وهو لا يتمالك من العبرة، وارتفعت الأصوات بالبكاء والحنين، فأومأ إلى النّاس أن اسكتوا، فلمّا سكتت فورتهم قال عليه السلام:"الحمدُ لله ربّ العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الديّن، بارئ الخلائق أجمعين، الذي بَعُد فارتفع في السماوات العلى، وقرب فشهد النجوى، نحمده على عظائم الأمور،


206


وفجائع الدهور، وألم الفجائع، ومضاضة اللواذع، وجليل الرزء، وعظيم المصائب الفاظعة الكاظّة الفادحة الجائحة.
أيّها القوم! إنّ الله تعالى وله الحمد ابتلانا بمصائب جليلة، وثلمة في الإسلام عظيمة، قتل أبو عبد الله الحسين عليه السلام وعترته، وسبيت نساؤه وصبيته، وداروا برأسه في البلدان من فوق عامل السنان، وهذه الرزيّة التي لا مثلها رزيّة!"
18.

وكانت خطب زينب الكبرى وأمّ كلثوم عليهما السلام  تتضمّن أيضاً هذا المحتوى وهذا الاتّجاه.

إنّ بيان مظلوميّات أهل البيت عليهم السلام، خصوصاً ما جرى في كربلاء، كان دائماً مثيراً لغضب وسخط وانزعاج الطغاة الظلمة من الأمويّين والعبّاسيّين، وكان على الدوام أيضاً محلّاً لتأييد وتأكيد أئمّة أهل البيت عليهم السلام، ذلك لما له من دور وأثر في فضح العدوّ وتعريته.

كما أنّ مجالس عزاء أهل البيت عامّة، ومجالس العزاء الحسينيّ خاصّة، التي كانت تقام على طول التأريخ بأمر ودعم وتأييد الأئمّة عليهم السلام وكبار علماء الدين، تتمتّع أيضاً بنفس هذه الماهيّة، ولقد كان الإمام الخمينيّ (رضوان الله عليه) يشير إلى هذا البعد في مجالس العزاء في كثير من أقواله وتوجيهاته، من ذلك مثلاً قوله:

"... إنّ مجالس التعزية، إنّ مجالس عزاء سيّد الشهداء عليه السلام وتلكم التبليغات ضدّ الظلم، وهذا التبليغ ضدّ الطاغوت، وفضح الظلم الذي وقع على المظلوم، يجب أن يبقى ويستمرّ إلى الأبد"19.


207


العبر التربويّة

إنّ الحوادث التأريخيّة إذا طالعناها بعين الاعتبار وجدناها "دروساً مستفادة"، والدروس التأريخيّة هي عبارة عن مجموعة من النكات المستفادة في معرفة الحوادث وبروز الحالات الاجتماعيّة والوقائع المُرَّة والسعيدة، ومن خلال هذه المعرفة يمكن تشخيص المسارات والحركة الصحيحة بصورة أوضح في المقاطع الزمنيّة اللاحقة أيضاً.

ومع أنّ تلقّي وتعلّم الدرس غالباً ما يستعمل في الوقائع الايجابيّة والبنّاءة، وتستعمل العبرة في الأحداث السلبيّة. إلّا أنّ للأحداث والوقائع سلسلة من العلل والأسباب والممهّدات والقوانين التأريخيّة، لذا فإنّ التأريخ يتحوّل إلى مدرسة لمن أراد أن يتعلّم منه، ذلك لأنّ الحوادث المتماثلة والمتشابهة ربّما تتكرّر في العصور المختلفة مع تكرّر ممهّدات وموثّرات خاصّة لبعض العلل والعوامل.

إنّ معرفة هذه النكات والدروس تبعث على السعادة، وهي أيضاً تسبّب صنع الحوادث البنّاءة المنشودة، وهي كذلك نذيرٌ ومانع من تكرار الحوادث المرّة.

وقد استهدف القرآن الكريم أيضاً هذه الغاية من خلال عرضه لقصص ومصائر الأمم السالفة، ومن خلال إشاراته إلى علل وأسرار الحوادث، وسنن القوّة والضعف في حياة الأمم، والانتصارات والهزائم والإبادات التي تعرّضت لها.

ونجد أيضاً أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة يلفت العقول مراراً إلى فلسفة التأريخ وسننه ودروسه وعبره، وإلى الاستفادة منها والاتعاظ بها، ويدعو إلى مطالعة


208


التأريخ والتأمّل فيه مع التعلّم منه والاعتبار به20.

ولذا فحينما نرى الإمام الحسين عليه السلام يعرّف حركته التأريخيّة في عاشوراء للنّاس بأنّها أُسوة وقدوة حيث يقول عليه السلام:"ولكم فيَّ أُسوة"21، تتضح لنا أكثر فأكثر ضرورة تعلّم الدرس وأخذ العبرة من هذه الواقعة.

إنّ واقعة كربلاء هي واحدة من هذه الحوادث "الملهمة" و"الواعظة"، فهي في عين كونها أغنى منابع الاستلهام والتحفيز والإثارة لجميع طلّاب الحقّ والعدالة والمجاهدين في سبيل الحقّ والحريّة، هي أيضاً من منظار آخر واحدة من أمرّ الحوادث وآلم الفجايع التي حصلت في تاريخ الإسلام على يد أمّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ومن اللازم مطالعة هذه الواقعة بدّقة لمعرفة ما هي الأسباب والعوامل الّتي أدّت إلى ما وقع؟ وبتعبير قائد الثورة المعظّم: "الأمّة الإسلاميّة ينبغي عليها أن تفكّر: لماذا بعد خمسين سنة من رحلة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وصلت حال البلاد الإسلاميّة إلى درجة أنّ نفس هؤلاء المسلمين، من وزيرهم، وأميرهم، وقائدهم، وعالمهم، وقاضيهم، وقارئهم، حتّى غربائهم وأوباشهم، اجتمعوا في الكوفة وكربلاء ليفتكوا بفلذة كبد نفس النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بتلك الصورة الفجيعة؟!! ينبغي على الإنسان أن يتأمّل جيّداً لماذا حصل هذا؟!... بلغت بهم الحال إلى الحدّ الذي يسوقون حرم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في الأزقّة والأسواق أسارى، ويتّهمونهم بأنّهم خوارج!!"22.

في قراءة جذور تقهقر الأمّة وانتكاستها إلى حدّ قعودها عن الدفاع عن إمامها المفترض عليها طاعته، بل قيامها لمواجهته وقتله! نجد أنفسنا أمام بعض النكات الجديرة بالتأمّل:

1 ـ طلب الدنيا


إنّ التعلّق بالدنيا والإنشداد إلى الرفاه ولذائذ الحياة سببٌ رئيس في أنّ كثيراً من النّاس لا يلبّون داعي الجهاد والمقاومة في ميادين الدفاع عن الحقّ ومواجهة الباطل،


209


ومن أجل استنقاذ النّاس من هذا الداء جاءت التأكيدات الكثيرة للأنبياء وأئمّة الدين عليهم السلام بصدد عدم التعلّق بالحياة الماديّة وحثّهم على الزهد فيها.

والإمام الحسين نفسه عليه السلام يقول: "إنّ النّاس عبيد الدنيا، والدين لعقٌ على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الديّانون"23.

خصوصاً إذا كان طلب الدنيا هذا من طريق الحرام وامتلاء البطون من الهدايا اللامشروعة والطعام الحرام والشبهات، حيث تحرم القلوب بسبب ذلك من نعمة الانفتاح على الحقّ والهداية وإدراكهما وتقبّلهما، إنّ أكل الحرام كذلك يضعف التديّن والالتزام بالعهود والمواثيق، ويطمس أداء التكليف والقيام بالواجب في بوتقة النسيان.

لمّا استنصت الإمام الحسين عليه السلام جيش الكوفة يوم عاشوراء ليقيم عليهم الحجج التامّة فأبوا أن ينصتوا له، وبّخهم عليه السلام على ذلك قائلاً:

"ويلكم! ما عليكم أن تنصتوا إليّ فتسمعوا قولي، وإنّما أدعوكم إلى سبيل الرشاد، فمن أطاعني كان من المرشدين، ومن عصاني كان من المهلكين، وكلّكم عاصٍ لأمري غير مستمع لقولي، قد انخزلت عطيّاتكم من الحرام، وملئت بطونكم من الحرام، فطبع على قلوبكم، ويلكم ألا تنصتون؟! ألا تسمعون؟! "
24.

يقول قائد الثورة المعظّم بصدد التذكير بخطورة هذا العامل:

"الانسياق وراء الشهوات والأهواء، وفي جملة واحدة: الانغماس في طلب الدنيا والاهتمام بجمع الثروة والمال، والانكفاء على اللذائذ، والوقوع في مصيدة شهوات الدنيا، واعتبار هذه الأمور هي الأصل، ونسيان الأهداف والغايات، هذا هو الداء الأساسيّ والكبير، ونحن أيضاً من الممكن أن نُبتلى بهذا الداء..."
25.

وإضافة إلى أنّ النوازع الدنيويّة وحبّ الجاه والرئاسة تمنع النّاس أحياناً عن نصرة الحقّ ومقاومة الباطل، ونجد من جهة أخرى أنّ الظالمين وأهل الباطل ينصبون مصائدهم الواسعة لكثير من النّاس من خلال بذل الأموال والعطايا


210


والإغراءات الدنيويّة الأخرى، فيجذبون إليهم القلوب، وبهذا يُخلون جبهة الحقّ الخلفيّة.

إنّ جيش المال وفيلق المطامع الدنيويّة يفعل أحياناً ما لا يستطيع أن يفعله جيش من المقاتلين ذو العدّة والعدد.

وقد استفاد الحكم الأمويّ في مواجهة النهضة الحسينيّة من هذا الأسلوب حتّى يمتنع وجهاء الكوفة والبصرة وأشرافهما عن نصرة الإمام عليه السلام ويصيروا أنصاراً للوالي الأمويّ، ففيما أخبر به مجمع بن عبد الله العائذيّ (رضوان الله عليه) الإمام الحسين عليه السلام - وهو من أنصاره الذين التحقوا به من الكوفة في منزل عذيب الهجّانات- قوله: "أمّا أشراف النّاس فقد أعظمت رشوتهم، ومُلئت غرائرهم، يستمال ودّهم ويُستخلص به نصيحتهم، فهم ألبٌ واحدٌ عليك! وأمّا سائر النّاس فإنّ أفئدتهم تهوي إليك وسيوفهم غداً مشهورة عليك" 26!

إنّ الانخداع بالدنيا ومظاهرها يُنسي الإنسان الآخرة، ويدفعه في صفقة خاسرة إلى بيع الآخرة والسعادة الأبديّة بدنيا زائلة فانية، نقرأ في زيارة الأربعين هذا التقرير عن واقعة عاشوراء.

"... وقد توازر عليه من غرّته الدنيا، وباع حظّه بالأرذل الأدنى، وشرى آخرته بالثمن الأوكس، وتغطرس وتردّى في هواه، وأسخطك وأسخط نبيّك، وأطاع من عبادك أهل الشقاق والنفاق وحملة الأوزار المستوجبين النّار..."
27.

2 ـ الغفلة


الإنسان محتاج دائماً إلى التذكّر، إذ إنّ الغفلة عن الأهداف والغايات سبب في وقوع الإنسان في ورطات مهلكة، وفي تحوّله إلى إنسان لا أُبالي، وهكذا كان جلّ النّاس في زمن الإمام الحسين عليه السلام، إذ كانوا غرقى في دياجي الغفلة في حياتهم اليوميّة، فأنستهم غمرة الغفلة أهداف الإسلام العليا وقيمه السامية، ورسالتهم ومسؤوليّتهم


211


وواجباتهم إزاء دين الله تعالى، ونُسيت مجاهدات صدر الإسلام وجميع الدماء الطاهرة لشهداء الدعوة الإسلاميّة، وقد استفاد الأعداء أيضاً من هذه الغفلة أسوأ الاستفادة، فامتطوا ظهر الأمّة، واستثمروا قوّتها وسخّروها للقضاء على الحقّ ولمقاتلة الإمام المعصوم عليه السلام.

لقد كان الإمام سيّد الشهداء عليه السلام يسعى دائماً لرفع حجب الغفلة عن بصيرة الأمّة وفهمها وإدراكها، وقد حرص عليه السلام في خطبه يوم عاشوراء على إزالة الغفلة عن عقول النّاس وإيقاظهم على الحقيقة المرّة، فكان ممّا خاطب به الكتائب التي تألّبت لقتاله: "تبّاً لكم أيّتها الجماعة وترحاً! أحين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجفين سللتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم! وحششتم علينا ناراً اقتدحناها على عدوّنا وعدوّكم! فأصبحتم إلباً لأعدائكم على أوليائكم!! بغير عدلٍ أفشوه فيكم ولا أمل أصبح لكم فيهم!!..."28.

3 ـ التخلّي عن التكليف


كلّ ما جاءت به الشريعة الإسلاميّة من "التكاليف" ليلتزم بها المسلمون كانت الغاية منه دائماً هي تحقيق "المصالح" ومنع "المفاسد"، فإذا قام المسلمون بما عليهم من التكاليف الشرعيّة فإنّ المجتمع الإسلاميّ سيتحرّك نحو الطهارة والتكامل المعنويّ في جميع مجالات الحياة.

أمّا إذا ترك المسلمون واجباتهم الشرعيّة ولم يعتنوا ولم يبالوا بالتكاليف التي أمر الله بها، فإنّ لذلك آثاراً سيّئة ونتائج مريرة تشمل عواقبها أيضاً جميع مجالات حياة المجتمع الإسلاميّ.

وتكليف كلّ مسلمٍ يتناسب من حيث الأهميّة والخطورة مع موقعه الدينيّ والاجتماعيّ الخاصّ به، فالذين لهم منزلة خاصّة ومقام رفيع، وينظر النّاس إليهم كقدوات، ويعنون بتصرّفاتهم عناية فائقة لأثرها البالغ في حياة المجتمع وفي تحديد مصيره، أولئك عليهم مسؤوليّات مضاعفة، ولتخلّيهم عن التكليف الشرعيّ عواقب أشدّ وخامة وخطورة من عواقب تخلّي الإنسان العادي عن أداء تكليفه، لذا فإنّ


212


علماء الدين والوجهاء المرموقين والنافذين والمعتبرين لهم تكاليف أثقل من تكاليف سواهم، فإذا داهنوا وسكتوا إزاء الظلم والبدعة وتحريفات الحكومات الجائرة ذهبت دماء الشهداء الأطهار هدراً نتيجة ذلك، وأُضيعت جهود ومعاناة المجاهدين الأوائل الذين بنوا صرح المجتمع وأسّسوا قواعد حياته، وراجت البدع والمنكرات، وترسّخت جذور سلطة الظالمين واشتدّ طغيانهم.

يقول الإمام الحسين عليه السلام بصدد تقصير وضعف وتهاون العلماء المرتبطين ببلاط الحاكم الظالم أو الساكتين عن الحقّ في عصره، موبّخاً إيّاهم على ذلك:

"... لقد خشيتُ عليكم أيّها المتمنّون على الله أن تحلّ بكم نقمة من نقماته لأنّكم بلغتم من كرامة الله منزلة فضّلتم بها، ومن يعرف بالله لا تُكرِمون وأنتم بالله في عباده تُكرَمون، وقد ترون عهود الله منقوضة فلا تفزعون، وأنتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون وذمّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم محقورة! (مخفورة خ)، والعمي والبُكم والزُمن في المدائن مهملة لا ترحمون! ولا في منزلتكم تعملون ولا من عمل فيها تعينون! وبالإدّهان والمصانعة عند الظلمة تأمنون، كلّ ذلك ممّا أمركم الله به من النهي والتناهي وأنتم عنه غافلون! وأنتم أعظم النّاس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تسمعون (تسعون)، ذلك بأنّ مجاري الأمور والأحكام على أيدي العلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة، وما سُلبتم ذلك إلّا بتفرّقكم عن الحقّ واختلافكم في السُنّة بعد البيّنة الواضحة، ولو صبرتم على الأذى وتحمّلتم المؤونة في ذات الله كانت أمور الله عليكم تردّ وعنكم تصدر وإليكم ترجع، ولكنّكم مكّنتم الظلمة من منزلتكم، وأسلمتم أمور الله في أيديهم يعملون بالشبهات، ويسيرون في الشهوات، سلّطهم على ذلك فراركم من الموت وإعجابكم بالحياة التي هي مفارقتكم، فأسلمتم الضعفاء في أيديهم، فمن بين مستعبدٍ مقهور، وبين مستضعفٍ على معيشته مغلوب، يتقلّبون في الملك بآرائهم، ويستشعرون الخزي بأهوائهم، اقتداء بالأشرار، وجرأة على الجبّار! في كلّ بلدٍ منهم على منبره خطيب يصقع، فالأرض لهم شاغرة، وأيديهم فيها مبسوطة، والنّاس لهم خول لا يدفعون يد لامسٍ، فمن بين جبّار عنيد، وذي سطوة على الضعفة شديد،


213


مطاعٍ لا يعرف المبدئ والمعيد، فيا عجباً! وما لي لا أعجب؟! والأرض من غاشٍّ غشوم ومتصدّق ظلوم، وعامل على المؤمنين بهم غير رحيم، فالله الحاكم فيما فيه تنازعنا، والقاضي بحكمه فيما شجر بيننا..."29.

ويقول قائد الثورة المعظّم في تحليل هذه المسألة، ضمن تقسيمه أفراد المجتمع إلى خواصّ وعوام، وأنّ العوام دائماً تبع للخواصّ وأنّ دور الخواصّ في المجتمع مهمّ جداً، فإذا لم يعمل الخواصّ بتكليفهم الحسّاس الخطير بسبب الميل إلى الدنيا وخوفاً على مواقعهم ومكانتهم، فإنّ مجرى التأريخ سيتغيّر، يقول سماحته:

"أولئك الذين يتركون طريق الله خوفاً على أنفسهم، ولا يقولون الحقّ حيث ينبغي أن يقولوه لأنّهم سيتعرّضون للخطر، أو يتخلّون عن طريق الله خوفاً على مناصبهم أو أموالهم، أو حبّاً وتعلّقاً بأولادهم وعوائلهم وأقربائهم وأصدقائهم، أولئك إذا كانوا الكثيرين فحينئذٍ واويلاه! حينئذٍ سيتوجّه الحسين بن عليّ عليهما السلام  إلى مذبح كربلاء، سيجرُّ إلى مقتله، وسيستولي اليزيديّون على الأمر، وسيحكم بنو أميّة البلاد والأمّة التي أوجدها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ألف شهر، وستستبدلُ الإمامة بالمُلك والسلطنة.

حينما تكون حال الخواصّ المحسوبين على صفّ الحقّ هكذا، أو تكون حال أكثريّتهم القاطعة هكذا، حيث يؤثرون دنياهم على كلّ شيء، فهم من الخوف على النفس، ومن خوف فقدان المنصب والمقام، ومن خوف النبذ والطرد، أو من خوف العزلة والوحدة، مستعدّون للقبول بحاكميّة الباطل، فلا يقفون في وجهه، ولا يدافعون عن الحقّ، ولا يلقون بأنفسهم في الخطر، حينما تكون حال الخواصّ هكذا فسوف تكون بداية المآل شهادة الحسين بن عليّ عليهما السلام  بتلك الصورة الفجيعة، وخاتمتها سيطرة بني أميّة على الحكم، ثمّ بني العبّاس، ثمّ سلسلة من السلاطين والملوك في عالم الإسلام إلى اليوم...

كان هذا هو وضع ذلك الزمان، كان الخواصُّ قد استسلموا، وما كانوا يريدون التحرّك.

لذا حينما استولى يزيد على الحكم، وكان شخصاً من الممكن الخروج عليه


214


ومقاتلته، إذ كان معروفاً ومشهوراً بفسقه وحماقاته واستهتاره، وكلّ من يُقتل في الحرب ضدّ يزيد لا يمكن أن يُغَطّى أو يعمّى على دمه لأنَّ يزيد كان وضعه متفسّخاً مفضوحاً جدّاً... من أجل هذا قام الإمام الحسين عليه السلام بنهضته...

ولمّا قام الإمام الحسين عليه السلام مع كلّ تلك العظمة والقداسة التي كانت له في المجتمع الإسلاميّ لم يتقدّم إليه كثير من الخواصّ لينصروه! أنظروا إلى أيّ درجة ساءت حال المجتمع بسبب هؤلاء الخواصّ؟! الخواصّ الذين هم على استعداد لتفضيل دنياهم بسهولة على مصير العالم الإسلاميّ خلال قرون طويلة آتية!...

كلّ هؤلاء حينما يواجهون بشدّة وضغط وقهر من الجهاز الحاكم يرون أنّ أرواحهم وسلامتهم وراحتهم ومقامهم وأنفسهم في خطر لا محالة يتراجعون، فإذا تخلّى الخواصّ وتنصّلوا عن تكليفهم وعهودهم والتزاماتهم تخلّى وتنصّل تبعاً لهم عوامُ النّاس أيضاً.

أنظروا إلى أسماء أولئك الذين كتبوا الرسائل إلى الإمام الحسين عليه السلام من الكوفة ودعوه إلى القدوم إليهم، وتأمّلوا فيهم! هؤلاء الذين كتبوا الرسائل هم الخواصّ، هؤلاء أيضاً جزء من طبقة الخواصّ تلك! طبقة زبدة المجتمع والمرموقين فيه!...
إنّ الذي يُنجي التأريخ من المسار الخاطئ، وينجي القيم من السقوط ويحفظها هو تصميم الخواصّ في الوقت المناسب، وتشخيص الخواصّ في الوقت المناسب، وتنكّرهم للدنيا في اللحظة المناسبة، وقيامهم وإقدامهم لله في اللحظة المناسبة.
ينبغي القيام بالحركة اللازمة في اللحظة اللازمة، فإذا تركتم الوقت المناسب يمضي فليس ثمّ فائدة إذن.


هذه هي السُنّة الإلهيّة، حينما تخاف من الدم، وتخاف من بذل ماء الوجه، وتخاف من المال، وتخاف من أجل العائلة، وتخاف من أجل الأحبّة، ونخاف من أجل راحتنا وسلامة عيشنا، ومن أجل كسب وتجارة، ومن أجل العثور على مسكن


215


هو أوسع من مسكنٍ سابقٍ غرفةً واحدة، إذا لم نتحرّك بسبب الخوف على هذه الأشياء فمن المعلوم حينذاك أن لو نهض عشرة أئمّة كالإمام الحسين عليه السلام فإنّ جميعهم سيستشهدون، وجميعهم سيبادون، كما استشهد أمير المؤمنين عليه السلام، وكما استشهد الإمام الحسين عليه السلام.

أيّها الخواصّ! أيّها الخواصّ! يا طبقة الخواصّ! يا أعزّائي، أنظروا أين أنتم؟"
30

4 ـ لا إلى الحقّ ولا إلى الباطل!


إن التضادّ بين الحقّ والباطل حقيقة دائمة، وواجب المسلم الملتزم أيضاً هو الوقوف مع الحقّ ومقاومة الباطل، ولا يمكن للمسلم أن يكون غير مبال أو على الحياد في قضايا النزاع والصراع بين الحقّ والباطل، أو يعتزل الميدان بذريعة أنّ طائفتين تجادلتا وتنازعتا فيما بينهما ولم يتّضح لنا أين الحقّ، فنتيجة هذا السكون وهذا الحياد تضعيف جبهة الحقّ وتقوية الظلم! في وقعة صفّين التي كانت صراعاً واضحاً لا إبهام فيه بين الحقّ والباطل، تخلّف جماعة عن الالتحاق بأمير المؤمنين عليه السلام قائد جبهة الحقّ متذرّعين بأنّ عليهم أن لا يدخلوا في "الفتنة" وأن لا يُلطّخوا أيديهم بالدماء! فذمّهم أمير المؤمنين عليه السلام قائلاً: "خذلوا الحقّ ولم ينصروا الباطل"31.

أي أنّهم وإنْ لم ينصروا الباطل في جبهة معاوية، لكنّهم بعدم قتالهم تحت راية أمير المؤمنين عليه السلام كانوا قد خذلوا الحقّ وأضعفوا جبهته، ومن هؤلاء الذين لم يشتركوا في هذه الحرب واختلقوا لأنفسهم في ذلك الذرائع الواهية: عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقّاص، وسعيد بن زيد، وأنس بن مالك، ومحمّد بن مسلمة، و... كان من هؤلاء أيضاً أبو موسى الأشعريّ32.

وفي نهضة الإمام الحسين عليه السلام أيضاً هناك أشخاص لم يلتحقوا بالإمام عليه السلام


216


وتركوه وحيداً، متذرّعين بنفس ذرائع حبّ السلامة وطلب العافية! بل إنّ بعضهم رفضوا الانضمام إليه عليه السلام على رغم دعوته إيّاهم دعوة صريحة لنصرته، وغيّروا اتجاه طريقهم إلى جهة أخرى حتّى لا يشهدوا تلك الوقعة!

فالأحنف بن قيس مثلاً، كان قد اشترك في حروب زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واشترك أيضاً تحت راية أمير المؤمنين عليه السلام في حروبه، إلّا أنّه لم ينصر الإمام الحسين عليه السلام في واقعة عاشوراء، وكان ردّه سلبيّاً على رسالة الإمام عليه السلام التي دعاه فيها إلى نصرته، بل لقد نهى الإمام عليه السلام حتّى عن القيام والنهضة!33

في حوادث صدر الإسلام المرّة هناك نماذج كثيرة لهذه الحالة: حالة عدم العمل بالتكليف في الظروف الحسّاسة، نماذج كثيرة شكّلت مجموعاً كبيراً من المتهاونين الذين كانوا السبب في انزواء الحقّ وتسلّط الباطل، ولقد أشار الإمام الحسين عليه السلام بألم إلى هذه الحقيقة المرّة وهو في المدينة قبل خروجه منها إلى مكّة، في محاورته الساخنة مع مروان بن الحكم، حيث قال عليه السلام:"... وقد سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان، وعلى الطلقاء أبناء الطلقاء، فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه. فوالله لقد رآه أهل المدينة على منبر جدّي فلم يفعلوا ما أمروا به! فابتلاهم الله بابنه يزيد! زاده الله عذاباً في النّار"34.

إنّ التخلّي عن أداء التكليف هو في الواقع سبب بقاء ودوام سلطة السلطان الظالم، وهذه إحدى السنن الإلهيّة وعبرة تأريخيّة من عاشوراء.

وقد أشار الإمام الحسين عليه السلام إلى هذه السنّة والعبرة في موقع آخر أيضاً في كلامه السامي الذي انتقد فيه علماء البلاط الساكتين اللاأباليّين، المداهنين الظلمة، وعرّفهم فيه أنّ حركته الإصلاحيّة إنّما قام بها لإحياء السنن الدينيّة والأحكام الإلهيّة، ودعاهم فيه إلى نصرته، فكان ممّا قاله عليه السلام لهم:

"... فإنْ لم تنصرونا وتنصفونا قوي الظلمةُ عليكم، وعملوا في إطفاء نور


217


نبيّكم..."35.

وهذا أيضاً درس عظيم، ذلك لأنّ أتباع الحقّ إذا قصّروا في نصرة الحقّ والإمام الصالح وجبهة الدين، فإنّ نتيجة ذلك هي تقوية الظالمين، ونجاح الطغاة في إزالة الحقّ وقلع جذوره والقضاء على أهله وأتباعه.


218


عزّة خصوم الباطل

سنّة الله تعالى في المواجهة بين الحقّ والباطل أن يبقى الحقّ ويثبت ويترسّخ، وأمّا الباطل فيزهق ويذهب جفاءً ويزول، هذه الحقيقة يقرّرها القرآن الحكيم في أكثر من موضع، كمثل قوله تعالى:
﴿وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا36 و﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ37 و﴿... وَيَمْحُ اللهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ38، وبما أنّ المؤمن أيضاً يطوف حياته حول محور الحقّ ويحيا للحقّ، فهو وإن كان في الظاهر ضعيفاً محروماً منزوياً إلّا أنّ "الدولة الخالدة" له، ذلك لأنّ القلب معلّق بما هو باقٍ ودائم، وبتعبير أمير المؤمنين عليه السلام:"للحقّ دولة وللباطل جولة"39.

وقد نسب الله العزّة له ولرسوله وللمؤمنين، في قوله تعالى:
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ40.

وفي ضوء هذه السنن، نجد أنّ النصر الواقعي والغلبة الحقيقيّة في نهاية الأمر من نصيب أولئك الذين يصارعون ويقارعون الظلم والباطل، وإن تعرّضوا في الظاهر إلى هزائم وانكسارات، ومرور الزمان يمحو ذكر أتباع الباطل من أذهان النّاس، ويبيد آثار


219


سلطانهم ويفنيها، أمّا ملاحم خصوم الباطل فتبقى دائماً حيّة ومؤثّرة، ينظر قُضاة "محكمة التأريخ" إلى أبطالها نظرة احترام وتقدير.

وإنّ أوضح وأجلى دليل على عزّة وعظمة خصوم الباطل نشهده في صدد شهداء كربلاء، إذ لم يزل الإمام الحسين عليه السلام حتّى اليوم وإلى قيام الساعة العزيز الذي تهفو إلى ذروة عزّه الأرواح، والمحبوب الذي هامت متيّمةً بحبّه القلوب، ولم يزل مزاره مهوى أفئدة عشّاق الحقّ، وكلماته حتّى الآن حيّة مدويّة في مسمع التأريخ، وكان ولم يزل أبو عبد الله الحسين عليه السلام البطل المنتصر في ملحمة عاشوراء.

يقول الإمام الخمينيّ (رضوان الله عليه) بصدد انتصار الحقّ على الباطل في نهضة عاشوراء: "المحرّم هو الشهر الذي قامت فيه العدالة على الظلم، وقام فيه الحقّ على الباطل، وأثبت على مدى التأريخ أنّ الحقّ دائماً منتصرٌ على الباطل"41.
كان هذا التصريح قد أدلى به إمام الأمّة في شهر آذر سنة 1357هـ.ش، في مقابلة مع راديو لوكسمبورك، ترى أليس هذا دليلاً على عزّة خصوم الباطل في عاشوراء حيث تذكر ملحمتهم المقدّسة بعد أربعة عشر قرناً من وقوعها كسند على الانتصار الدائم الأبديّ للحقّ على الباطل؟

لمّا قرّر سيّد الشهداء عليه السلام بعد موت معاوية أن يمضي إلى لقاء والي المدينة، حاوره عبد الله بن الزبير في ذلك وأظهر تخوّفه عليه من كيد بني أميّة، فكان ممّا أجاب الإمام عليه السلام به ابن الزبير: "... فأكون على الامتناع، ولا أُعطي المقادة والمذلّة من نفسي..."42، إنّ هذه القاطعيّة في الإباء وعدم المداهنة هي التي جعلت من أبيّ الضيم عليه السلام رمزاً للعزّة، والدرس الذي يقدّمه الإمام عليه السلام لأتباعه على مدى التأريخ هو أنّ العزّة في الدفاع عن الحقّ وفي مقارعة الباطل، لا في الارتعاب من الباطل والمداهنة معه.


220


ذلّة خصوم الحقّ

إنّ دم المظلوم المراق بلا حقّ يُمسكُ بخناق الظالم، والظالمون وأعوانهم يُبتلون بالذلّة والهوان، يُبتلى الظالمون بذلك جزاء ظلمهم، وتُبتلى الأمّة بالذلّة والهوان أيضاً جزاء تخلّيها عن جبهة الحقّ، خصوصاً إذا كان هذا الظلمُ قد حلّ بساحة الإمام المعصوم عليه السلام وأهل بيته المظلومين.

لمّا نزل الإمام الحسين عليه السلام في طريقه إلى الكوفة منزل (بطن العقبة) لقيه شيخ من بني عكرمة يُقالُ له عمرو بن لوذان، فسأله: أين تريد؟ فقال له الحسين عليه السلام:"الكوفة". فقال الشيخ: أُنشدك الله لما انصرفت، فوالله ما تقدم إلّا على الأَسنّة وحدّ السيوف، وإنّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال، ووطّاؤا لك الأشياء فقدمت عليهم كان ذلك رأياً، فأمّا على هذه الحال التي تذكر فإنّي لا أرى لك أن تفعل. فقال له الإمام عليه السلام:"يا عبد الله! ليس يخفى عليَّ الرأي ولكنّ الله تعالى لا يُغلَبُ على أمره"، ثمّ قال عليه السلام:"والله لا يدعوني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا سلّط الله عليهم من يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ فرق الأُمم!"43.

ولقد انتقم الله تعالى أيضاً من جميع الذين أعانوا الظالم في تلك الفاجعة العظيمة، وكان لهم دور بارز ومؤثّر فيها، فقتلوا وهم أذلّاء، يقول الشيخ المفيد (رضوان الله عليه):"وتظاهرت الأخبار بأنّه لم ينجُ أحدٌ من قاتلي الحسين عليه السلام وأصحابه رضي الله عنهم من قتل


221


أو بلاءٍ افتضح به قبل موته"44.

هناك عبرٌ خفيّة في واقعة عاشوراء، إذا لم يُكشف عنها فتُعرف وتشخّص، ويتمّ الاعتبار بها وتُعالج الحالُ بدوائها، فإنّ من الممكن أن يكمن نفس ذلك الخطر ويتربّص بمجتمعنا اليوم، ويبرز أخطر ما يكون في اللحظات الحرجة على طريق ثورتنا وثوّارنا.

إنّ الذي أدّى إلى فاجعة عاشوراء الأليمة المحرقة للقلوب كان ما يلي:

ـ استسلام الأمّة لحكومة الظلم وتمكينها.

ـ التخلّي عن أداء التكليف في اللحظة الحسّاسة والمصيريّة.

ـ نسيان أو تناسي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ـ تعاظم حبّ الدنيا والإنشداد إلى الرفاه والترف.

ـ غفلة النّاس وعدم اطّلاعهم على ما يجري في المجتمع.

ـ الإعراض والتخلّي عن القائد الإلهيّ وعدم إطاعته.

ـ تفرّق كلمة ورأي الأمّة الإسلاميّة.

ـ سيطرة الخوف والرعب على النّاس من بأس وبطش حكومة الباطل.

واليوم وفي كلّ زمان أيضاً، إذا فقدت القُوى المؤمنة والثوريّة حسّاسيتها في حرصها وخوفها على مصير الإسلام والمسلمين والثورة، وتهاونوا وقصّروا في قول الحقّ وأداء التكليف خوفاً على ما في أيديهم أو طمعاً بما ليس في أيديهم، وامتنعوا عن الحضور والتواجد في ميدان الدفاع عن القيم في الظروف التي يحتاج فيها المجتمع والثورة إلى الدم والشهادة، وتشتّتت وحدة كلمتهم، وتفرّقت آراؤهم وأهواؤهم، ولم ينسجموا روحاً واحدة حول محور ولاية الفقيه وقيادة الأمّة، وجعلوا القيم والأهداف تحت أقدامهم طمعاً في الحصول على المال والمنصب والمقام، ولم يقوموا بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصاروا سُذّجاً تنطلي عليهم خدعُ شائعات العدوّ وأبواقه الإعلاميّة، فإنّ عاشوراء ستتكرّر مرةً أخرى، وسيتلقّى الإسلام الضربة كرّة أخرى، وستجدّد المظلوميّة مضاعفة على المسلمين وعلى جبهة الحقّ.


22


وبتعبير قائد الثورة المعظّم:

"إذا كنتم أمام هذه المنافع الدنيويّة مجذوبين إليها- لا سمح الله- إلى الحدّ الذي لا تستطيعون التخلّي عنها والتنكّر لها إذا ما دُعيتم إلى تكليف صعب فهذه حالة أولى، وإذا كنتم تستمتعون بهذه المُتع والمنافع الدنيويّة وبمقدوركم التخلّي عنها والتنكّر لها حينما يحلّ بساحتكم امتحان صعب فهذه حالة أخرى... هناك حالتان للخواصّ من مؤيّدي الحقّ في كلّ مجتمع، فإذا كان ذلك القسم الجيّد من مؤيّدي الحقّ، يعني هؤلاء الذين بمقدورهم التخلّي عن هذا المتاع الدنيويّ حينما يلزم ذلك، إذا كان هؤلاء هم الأكثريّة، فسوف لن يُبتلى المجتمع الإسلاميّ في وقتٍ ما بحالة عصر الإمام الحسين عليه السلام..."
45.

إنّ التعلّق بالدنيا مانع من أداء التكليف الإلهيّ دائماً، وقد ظهر هذا في زمان الإمام الحسين عليه السلام بشكل معيّن محدّد، وله ظهور أيضاً في مجتمعنا اليوم ولكن بصورة أخرى، وبتعبير قائد الثورة المعظّم أيضاً:

"... والبُعد الآخر الذي يجب أن يدرس هو مطابقة ما ينبغي أن يقوم به الخواصُّ مع وضع كلّ زمان، ليس زماننا فقط، في كلّ زمان كيف يجب أن تعمل طبقة الخواصّ حتّى يؤدّوا تكليفهم وواجبهم؟

إنّ قولنا: لا يكونوا أسرى الدنيا، هذه فكرة وحسب، يجب أن يدرس: كيف لا يكونون أسرى الدنيا؟ ما هي أمثلة ومصاديق ذلك؟ "
46.


223


هوامش

1- راجع في هذا الصدد: "انقلاب تكاملي اسلام"، فارسي، لجلال الدين الفارسي، وكذلك "النظام السياسي في الإسلام" و"نظرية عدالة الصحابة"، لأحمد حسين يعقوب.
2- بحار الأنوار، ج33، ص165.
3- يراجع في هذا الصدد مثلاً: كتاب (الآيات البيّنات في قمع البدع والضلالات) لكاشف الغطاء، و(التنزيه لأعمال الشيعة) للسيّد محسن الأمين العامليّ، و(الملحمة الحسينيّة) للشهيد مطهّري.
4- مقتل الحسين عليه السلام ، للمقرّم، ص287.
5- الأنفال، 42.
6- النساء، 165.
7- الفتوح، ج5، ص102 وأعيان الشيعة، ج1، ص599.
8- وقعة الطفّ، ص206 ـ 209.
9- الإرشاد، ج2، ص91.
10- الفتوح، ج5، ص105.
11- حياة الإمام زين العابدين، ص166.
12- حياة الإمام زين العابدين عليه السلام ، ص168.
13- نفس المصدر، ص168.
14- مقتل الحسين عليه السلام ، للمقرّم، ص352 و353، دار الكتاب الإسلاميّ.
15- نفس المصدر السابق.
16- راجع: الإمام زين العابدين عليه السلام ، ص175.
17- مقتل الحسين عليه السلام ، للمقرّم، ص349، دار الكتاب الإسلاميّ.
18- نفس المصدر، ص374 و375.
19- صحيفة نور، ج9، ص201.
20- من ذلك مثلاً: الخطبة 221 و192 (الخطبة القاصعة).
21- موسوعة كلمات الإمام الحسين عليه السلام ، ص361.
22- من خطاب له في جمع من متطوّعي وقادة فيلق 27 محمّد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
23- تحف العقول، ص245.
24- بحار الأنوار، ج45، ص8.
25- من خطابه في عاشوراء سنة 1993م.
26- وقعة الطفّ، ص174.
27- مفاتيح الجنان، ص 468، زيارة الأربعين.
28- مقتل الحسين عليه السلام ، للمقرّم، ص287.
29- تحف العقول، ص238.
30- فقرات منتخبة من خطاب مفصّل وتأريخيّ لقائد الثورة المعظّم آية الله الخامنئيّ في جمع من قادة ومتطوّعي فيلق 27 محمّد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، في 1996م، جريدة جمهوري إسلامي، 1997م.
31- نهج البلاغة، نظم صبحي الصالح، الحكمة رقم 18.
32- شرح النهج، ابن أبي الحديد، ج18، ص115.
33- راجع: كتاب شاﮔردان مكتب أئمّه "طلبة مدرسة أئمّة أهل البيت عليهم السلام " محمّد عالميّ دامغاني، ج1، ص161
34- موسوعة كلمات الإمام الحسين عليه السلام ، ص285.
35- تحف العقول، ص239.
36- الإسراء، 81،
37- الأنبياء، 18.
38- الشورى، 24.
39- غرر الحكم، ج5، ص2205.
40- المنافقون، 8.
41- صحيفة نور، ج4، ص27.
42- مقتل الحسين عليه السلام ، للخوارزميّ، ج1، ص182.
43- راجع: الارشاد للشيخ المفيد، ج2، ص76.
44- نفس المصدر، ج2، ص133.
45- خطاب قائد الثورة المعظّم في جمع من قادة ومتطوّعي فيلق محمّد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .
46- نفس الخطاب السابق.