المحاضرة التاسعة: الإسلام والقضايا الإنسانية

تصدير الموضوع:
قال تعالى:
﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى1.

الهدف:

بيان بعض القضايا التي ترتبط بالجانب القِيَمي في الحياة الإنسانية.


81


المقدَّمة
رفع الإسلام لواء الدفاع عن الإنسان في كافّة قضاياه الإنسانية، ولذلك نرى أنّ من أهمّ السياسات التي نادت بها الشريعة الإسلامية نصرة الشعوب المستضعفة والمحرومة والمغتصبة حقوقها ورفع الظلم والجور والحيف عنها والذي يتمظهر اليوم بضرورة شجب واستنكار ما يجري اليوم من سرقة ونهب ثروات الشعوب وخيراتها ومدّخراتها واستعمار أراضيها وقمع أهلها من التعبير عن الآمهم ومشاكلهم، وتركها ترزح تحت وطأة الفقر والمرض والعوز، بغض النظر عن دينها أو المذهب الذي تعتقده وتنتسب إليه، فإنه من سمع منادياً يستغيث بالمسلمين ولم يجيبوه فليسوا بمسلمين.

محاور الموضوع
1- نشر العدل:
والذي يعتبر من أسمى الأهداف الإسلامية وغاية حركة الأنبياء والرسل حتى ورد أن حركة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في آخر الزمان بما تمثّل من خلاصة تجارب الأنبياء إنما تضع نُصبَ عينيها أن تمتلئ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن مُلئت ظلماً وجوراً.


82


ومن الواضح أن امتلاءها ظلماً وجوراً يشمل كافّة الناس على اختلاف انتماءاتهم العقائدية والمذهبية.

وعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "عدلُ ساعة خيرٌ من عبادة ستين سنة قيام ليلها وصيام نهارها، وجورُ ساعة في حكم أشدُّ وأعظم عند الله من معاصي ستين سنة"2.

وعن الإمام الكاظم عليه السلام في تفسير قوله تعالى
﴿يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، قال: "ليس يحييها بالقطر، ولكن يبعث الله رجالاً فيحيون العدل فتحيا الأرض لإحياء العدل، ولأقامة الحدّ لله أنفع في الأرض من القطر أربعين صباحاً"3.

2- مواجهة الفتن:
قال تعالى:
﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ4، والآية واضحة في أنّ ابتلاء الفتنة واقع لعموم الناس، وأنّ عنوان الإيمان مرتبط بأدائهم إبّان الفتنة، ففي الرواية عن معمر بن خلاد عن أبي الحسن عليه السلام بعد أن تلا الآية، قال لي: ما الفتنة؟ فقلت: جعلت فداك الذي عندنا الفتنة في الدين، قال عليه السلام:


83


"يُفتنون كما يُفتن الذهب، ثم قال: يخلصون كما يخلص الذهب"5.

قال تعالى:
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ6، فالإسلام نادى بمواجهة الفتن التي تحيد بالإنسان عن جادّة الهدى وتدخله في زواريب المحسوبيات الضيقة وتبعده عن الأعمال القربوية التي تسلك به الى الله، ولذلك عبّرت الآية أنّ المراد مواجهة أرباب الفتن أن يكون الدين لله وحده.

3- مواجهة حكّام الجور:
قال تعالى:
﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى7، فالطغيان من أكبر الأمور التي يمارسها حكّام الجور كمظهر من مظاهر الإساءة بها لإنسانية الإنسان، ولذلك جاء الأمر الإلهي بالذهاب إلى فرعون، هذا الأمر الإلهي الذي يوجب علينا التوجّه إلى كلّ فرعون في كلّ زمان ومكان للوقوف في وجه الطغيان استنقاذاً لإنسانية الإنسان من التشوّه والضياع.

وهذا ما نقرأه في سيرة نبي الله إبراهيم عليه السلام ومواجهته مع


84


النمرود وعيسى عليه السلام ومواجهته للرومان في عهده ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومواجهته لأجلاف قريش، وغيرهم من الأنبياء على طول التاريخ، وكذا الحال في سيرة الأئمّة الأطهار ووقوفهم في وجه حكّام الجور الذين كانوا يلبسون لباس الدين ويحكمون بغير ما أنزل الله تعالى.

4- رفع الاضطهاد:
والذي يتمثّل اليوم باستعمار بعض البلاد واستعباد شعوبها وسرقة خيراتها ونهب ثرواتها وعدم تقديم الحدّ الأدنى لها من ضرورات العيش ومستلزمات الحياة اليومية من التعليم أو الطبابة أو ما شاكل من أنواع الخدمات الأساسية للإنسان.

إنّ ما تعانيه البشرية اليوم من سَحق لإنسانية الإنسان والتعامل معه بأبشع صور التعذيب والإهانة يشكّل وصمة عار على جبين الدول التي تدّعي الحضارة والرقيّ، والدين الإسلامي لا يمكن إلا أن يقف إلى جانب هذه الشعوب لمساعدتها على التخلّص من براثن الكفر والإضطهاد الذي تعاني منه.

5- مواجهة الظلم:
قال تعالى:
﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ


85


فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ8، وفي ذلك تشديدٌ في الأمر الإلهي إذ قرن الركون إلى الظالم بدخول النار مباشرةً، وجعل تعالى في آياتٍ أخرى هلاك الظالمين سنةً من السنن الإلهية التي لا تتبدّل ولا تتحوّل إذ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ9، وقال تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا10.

6- تقوية المستضعفين:
قال تعالى:
﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ11، أي نصرة قضاياهم العادلة بغضّ النظر عن دينهم أو مذهبهم، وهذا يعتبر من أهم سياسات الدعوة الإسلامية، وفي حركة نبيّ الله يوسف عليه السلام خير شاهد على ذلك، فقد وقف الى جانب الشعب المصري في سِني القحط والجوع وعمل على تأمين قوتهم وغذائهم وهم ما زالوا على غير دين التوحيد، وما ذلك إلا لوجوب الوقوف إلى جانب الشعوب المستضعفة في قضاياها العادلة والإنسانية.


86


هوامش

1- سورة المائدة: 8.

2- ميزان الحكمة، ج3، ص 1838.

3- الكافي،ج7، ص 174.

4- العنكبوت 3.

5- ميزان الحكمة، ج3، ص 2360.

6- البقرة 193.

7- طه 43.

8- هود 115.

9- يونس 13.

10- النمل 53.

11- القصص 5.