الامدادات الغيبية في عصر الظهور

الغيب والمدد الغيبي
مما لا شك فيه أن من أرفع تعاليم الأنبياء، الإيمان بالغيب، بحيث أن الله تعالى يتحدث عن الإيمان بالغيب عندما بدأ الحديث عن خصائص المتقين وذلك في بداية الكتاب السماوي.

﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون1. بعض ما يتعلق بالإِعتقاد بالغيب، يعود إلى الاعتقاد بالإمدادات الغيبية الإلهية. كانت هذه الإمدادات الإلهية طوال التاريخ خير عون للإنسان فحفظتهم من الزوال. يستفاد من الآيات القرآنية أن الله تعالى يحفظ طرف الحق في المواجهة بين الحق والباطل ويدافع عن الحق، وقد يجري دفاع الله تعالى عن الحق عن طريق الإمدادات الغيبية والقوى الخفية. وتتجلى هذه السنّة الإلهية بشكلها الأوضح عند المواجهة بين الحق والباطل.

صحيح أن نهضة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف تعتمد على الأمور الطبيعية، ولكن الله تعالى يضع بعض تلك القوى الغيبية والماوراء الطبيعية في خدمة الإمام بما تقتضيه عظمة وانتشار تلك النهضة العالمية وبذلك تتوفر سبل النصر الضرورية.


  243


يمكن الاستفادة من الآيات والروايات باعتبارها تشكل بعض حالات الإمدادات الغيبية:
1- النصر الإلهي

النصر الإلهي أبرز جوانب وجود الله تعالى إلى جانب أهل الإيمان وأصحاب الحق. نقرأ في الآية الأربعين من سورة الحج:
﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. وتحدثت العديد من الروايات عن النصر الإلهي باعتباره أحد اسباب انتصار الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في نهضته العالمية.
يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الخصوص: "قائم أهل بيتي... يؤيد بنصر الله"2.

2 - الملائكة

الملائكة واحدة من القوى الإلهية الغيبية التي تتنزل لمساعدة المؤمنين. يتحدث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بعد إشارته إلى الإمداد الغيبي المتعلق بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف يقول: "ويُنْصَرُ بملائكة الله"3.
ويقول الإمام الصادق عليه السلام في ذيل الآية الشريفة
﴿أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ4: "هو أمرنا، أمرَ الله عزَّ وجلَّ أن لا تستعجلوا به حتى يؤيده الله بثلاثة أجنادٍ: الملائكة والمؤمنين والرعب"5.

أكدت الروايات أن الملائكة التي ترسل للمساعدة ثلاثة مجموعات:
أ- الملائكة المقربون

هناك العديد من الروايات التي تؤكد نزول ملائكة الوحي والملائكة المقربين


  244


الآخرين عند الظهور، وفي هذا إشارة إلى عظمة نهضة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.

تحدثت بعض الروايات عن جبرائيل باعتباره أول من يبايع الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
يقول الإمام الباقر عليه السلام: "فيكون أول من يبايعه جبرائيل"6.

وهناك روايات أخرى أشارت إلى مرافقة ملائكة الله المقربين للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف. نقل الشيخ المفيد في الأمالي بسند عن الإمام السجاد عليه السلام يقول: "كأني بصاحبكم قد علا فوق نجفكم بظهر كوفان في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن شماله وإسرافيل أمامه"7.
وجاء عن الإمام الصادق عليه السلام: "لا يخرج القائم حتى يكون تكملة الحلقة قلت وكم تكملة الحلقة؟ قال: عشرة آلاف، جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره..."8.

ويظهر من بعض الروايات أن لواء الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف يأتي به ملك الوحي، جبرائيل. وقد سُئِل الإمام الصادق عليه السلام عن لواء الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف هل هو موجود معه أو يؤتى به إليه؟ فقال: "بل يأتي بها جبرائيل"9.

ب - الملائكة الحاضرون في حرب بدر
هناك العديد من الآيات والروايات التي تبين حضور ملائكة الله في حرب بدر. وهناك روايات أخرى تتحدث عن أن هؤلاء الملائكة سيحضرون لمساعدة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.

يقول الإمام الباقر عليه السلام: "يا ثابت! كأني بقائم أهل بيتي قد أشرف على نجفكم هذا ـ وأومأ بيده إلى ناحية الكوفة ـ فإذا هو أشرف على نجفكم نشر راية


  245


رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإذا هو نشرها انحطت عليه ملائكة بدر..."10.
يقول الإمام الصادق عليه السلام: "إذا قام القائم صلوات الله عليه، نزلت ملائكة بدر وهم خمسة آلاف"11.

ج - ملائكة ثورة الإمام الحسين عليه السلام

أرسل الله تعالى ملائكة لنصرة الإمام الحسين عليه السلام في ثورة عاشوراء، إلاّ أن وصولهم كان مقارناً لانتهاء المعركة في كربلاء، لذلك أمرهم الله تعالى البقاء في الأرض للانتقام للإمام الحسين عليه السلام، فإذا ظهر المنتقم، سارعت هذه الملائكة لنصره.
كتب الشيخ الصدوق في كتاب عيون أخبار الرضا عليه السلام نقلاً عن الإمام الرضا عليه السلام وقد جاء في جزء من رواية: "ولقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة آلاف لنصره، فلم يؤذن لهم فهم عند قبره شعثٌ غبرٌ إلى أن يقوم القائم عجل الله تعالى فرجه الشريف فيكونون من أنصاره وشعارهم يا لثارات الحسين"12.

3 - إلقاء الخوف والرعب في قلوب الأعداء

سيلقي الله تعالى رب العالمين عند ظهور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، الخوف والرعب في قلوب الكافرين والمشركين والظالمين الرافضين للحق. ويشار إلى أن إلقاء الخوف قد حصل في زمان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً.
صرَّح القرآن الكريم بهذه الحادثة واعتبرها من جملة أسباب انتصار الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم على الدول والأمم المعاصرة له. وهنا نشير إلى بعض الآيات:

ألف -
﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ13.


  246


ب - ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا14.

وبناءً على هذه الرؤية فلا مانع من أن يكون الخوف والرعب من جملة الإمدادات الإلهية الغيبية التي ينصر الله تعالى بها الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف. وقد تحدثت العديد من الروايات حول هذا الموضوع.
يقول الإمام الباقر عليه السلام: "القائم منا منصور بالرعب مؤيد بالنصر تطوى له الأرض وتظْهرُ له الكنوز ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب ويُظهرُ الله به دينه ولو كره المشركون"15.

4 - القوى الطبيعية
القوى الطبيعية جزء من القوى الغيبية في عصر الظهور وقد جهز الله تعالى الأنبياء بهذه القوى.
أشارت بعض الآيات الشريفة إلى تسخير العوامل الطبيعية ووضعها في متناول النبي سليمان عليه السلام:
﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ16.

وتحدثت بعض الروايات عن أن العوامل الطبيعية، من جملة الإمدادات الغيبية المسخرة للإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف. يتحدث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حول أحداث ليلة المعراج وينقل عن الله عزَّ وجلَّ: "ولأَ سخرَنَّ له الرياح ولأذللَنَّ له الرقاب الصعاب ولأرقينَّهُ في الأسباب ولأنصرَنَّه بجندي ولأمدَّنَهُ بملائكتي حتى يعلن دعوتي"17.

خدا مراد سليميان


  247


  هوامش

1- البقرة: 2 - و3.
2- كمال الدين وتمام النعمة، الشيخ الصدوق، ج1، ص257، ح2.
3- م.ن.
4- النحل: 1.
5- الغيبة، النعماني، ص243، ح43.
6- بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج52، ص315، الحديث 10.
7- الأمالي، الشيخ المفيد، ص45، الحديث 5.
8- الغيبة، ص307، الحديث 2.
9- م.ن، ص310، الحديث 5.
10- م.ن، ص308، الحديث 3.
11- الغيبة، النعماني، ص244، الحديث 44.
12- عيون أخبار الرضا عليه السلام، الشيخ الصدوق، ج1، ص399، ح58.
13- آل عمران: 151.
14- الأحزاب: 26.
15- كمال الدين وتمام النعمة، ج1، ص330، الباب 32، ح16.
16- الأنبياء: 81.
17- كمال الدين وتمام النعمة، ج1، ص254، الباب 23، ح4.