العائلة ووظائف مبلغي الدين 2

اشارة:
عرضنا في المقال السابق بعض مسؤوليات مبلغي الدين ذات العلاقة بعائلاتهم، وسنركز البحث في هذا المقال على عدد من مسؤوليات المبلغين الأخرى.

اشراك العائلة في الأمور التبليغية
من جملة أسباب موفقية بعض مبلغي الدين، اشراك زوجاتهم وأبنائهم في أمر التبليغ الخطير؛ فنصف المخاطبين هم من النساء، وأفضل وسيلة للتواصل معهم دخول عائلة المبلغ هذا الوادي.

قد تكون زوجات العديد من المبلغين غير عارفات بمسألة التبليغ، لكن يمكن اعداد الأرضية ليتعرفن على ذلك ويجب تشجيعهن عليه.
جاء في ذكريات الإمام الخميني قدس سره أنه كان يدرس زوجته العلوم الدينية وتنقل زوجة الإمام قدس سره: "بعد السنة الأولى من الزواج قرأت "الهيئة" ثم درست "جامع المقدمات". وبدأت دراسة "السيوطي" وكان عندي ولدان وعندما أنهيته كانوا قد أصبحوا أربعة. وعندما ولد الرابع لم أعد أجد الوقت للمطالعة والدرس،


  195


إلا أنه الإمام قدس سره قد بدأ تدريس "شرح اللمعة بشكل عام درست عند السيد ثمانية سنوات"1.

نعم إذا تمكن المبلغون الأعزاء من اشراك عائلاتهم، سيكونون موفقين بالتأكيد في عملهم فالعديد من رجال التاريخ الموفقين والمشهورين، مدينون في ذلك لزوجاتهم,موعظة العائلة من جملة أساليب الحفاظ على العائلة وتقديم التربية الصحيحة لها، الموعظة المباشرة. وإذا كان المبلغ يقوم بوعظ الناس وهدايتهم من على المنبر، فمن المناسب أن يوجه موعظته إلى عائلته أيضاً. طبعاً لا يكون تأثير الأساليب اللفظية والقولية عميقاً كما في الأساليب العملية. وكلما كانت شخصية الخطيب وكلامه نافذاً ومتيناً، كان تأثيره أكبر.

وهكذا كانت سيرة الأنبياء وأولياء الله تعالى حيث كانوا يعمدون إلى موعظة زوجاتهم وأبنائهم بالاسهام من الآيات الإلهية. من جملة هذه المواعظ، حديث لقمان مع ابنه وحديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مع زوجاته. يحذر القرآن الكريم في إحدى الآيات الشريفة أهل الإيمان من عواقب عدم الاهتمام بالعائلة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون2.
مدح القرآن الكريم إسماعيل لموعظته عائلته في الأمور الدينية:
﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا3.


  196


يجب أن تدرك زوجة المبلغ أنها تختلف عن سائر نسوة المسلمين وأن أي عمل غير محسوب يصدر عنها قد يؤدي إلى إراقة ماء وجه المبلغ.

السيد وحيد البهبهاني وزوجة ابنه
كتب الشهيد مرتضى مطهري في شرح أحوال أستاذ الفقهاء وحيد البهبهاني ـ رضوان الله عليه: "في يوم من الأيام شاهد زوجة ابنه ترتدي لباساً من القماش الذي تلبسه نساء الأعيان والأشراف في ذاك العصر. لذلك توجه إلى ابنه عالم الدين السيد محمد إسماعيل (زوج تلك السيدة) يلومه على شراء ذاك النوع من اللباس لزوجته. أجاب ابنه وقرأ الآية الشريفة:
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْق4 فقال السيد وحيد: ولدي! لا أقول أن هذا حرام، فهو حلال: أنا أتحدث على أساس آخر. نحن وعائلتنا لنا مسؤولية خاصة، لأننا أئمة دين. عندما يشاهد الفقراء ما يتمتع به الأغنياء وأنهم يمتلكون كل شيء، ينزعجون. نحن لا نتمكن من تأمين هذا اللباس للعوائل القليلة المدخول المالي، إلا أن بإمكاننا الاحساس معهم، فعندما يجد الرجل الفقير زوجته تطالبه بشراء لباس من هذا النوع، يمكن أن يخاطبها: نحن نعيش كعائلة السيد وحيد...

لهذا السبب أقول يجب أن نعيش حياة الزهد فلا نبخل بهذا المقدار من الشعور مع الفقراء5.

التردد على منازل بعض المؤمنين
من جملة الأمور التي يحبذ أن تقوم بها عائلة المبلغ والتي هي أيضاً من الأمور


  197


 التي يرضاها الله تعالى، التردد على منازل بعض المؤمنين والأصدقاء والمعارف؛ حيث تترك هذه الأمور آثاراً ايجابية عليهم وهي بشكل ما نوع من التبليغ الديني.

يسمع المبلغون وعائلاتهم في هذه المجالس كلاماً جديداً، فيمكنهم بذلك ادراك أصداء التبليغ بشكل أفضل ويطَّلعون على ما يعترى عملية التبليغ من نقص وضعف ويصلحون بعض السنن والأساليب الخاطئة من خلال الترويج للسنن والأساليب الصحيحة. يضاف إلى ذلك أن العائلات وبهذا العمل يمكنهم مواساة الفقراء وزيارة المرضى...

يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: "من زار أخاه في بيته قال الله عزَّ وجلَّ له: انت ضيفي وزائري، عَلَيَّ قراك وقد أوجبت لك الجنة بحبك إياه"6.

طبعاً يجب الالتفات إلى مسألة وهي أن المبلغ وعائلته من الأفضل لهم عدم زيارة منازل اللامباليين اتجاه الأمور الدينية فقد يتركون آثاراً تتعارض مع الروح المعنوية التي يحملونها، بالإضافة إلى أن هذا الأمر قد يترك آثاراً اجتماعية وعرفية على المبلغ وعائلته. يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: "ثم الصق بذوي المروءات والاحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة"7.

أسفار العائلة
إن مسألة سفر عائلة المبلغ، أمر ضروري ولازم بالأخص المبلغ الذي يقوم بواجبه في أماكن بعيدة، وذلك لما لهذا الأمر من آثار تربوية وتبليغية، وإحكام العلاقات بين أفراد العائلات. ووجود المبلغ مع عائلته يساهم في حَلِّ الكثير من المشاكل التي تعاني منها البشرية في العصر الحاضر بالأخص العلاقة بين الأبناء والآباء واعطاء العائلة القيمة الرقابية الضرورية والترويج للفضائل والروح


  198


 المعنوية وتنمية روح الايثار بين الأفراد.

وسفر العائلة برفقة المبلغ كان رائجاً عبر التاريخ وراج بين العظماء كما يتحدث القرآن الكريم عن سفر إبراهيم عليه السلام مع عائلته إلى الكعبة الشريفة، وسفر موسى عليه السلام مع أهل بيته إلى مصر، وسفر لوط عليه السلام إلى خارج المدينة بأمر من الله.

قال علي بن جعفر، أخ الإمام الكاظم عليه السلام: "خرجنا مع أخي موسى بن جعفر عليه السلام في أربع عُمَر يمشي فيها إلى مكة بعياله وأهله، واحدة منهن يمشي فيها ستة وعشرين يوماً، وأخرى خمسة وعشرين يوماً، وأخرى أربعة وعشرين يوماً وأخرى واحداً وعشرين يوماً"8.

ونختم بحديث للإمام الخميني قدس سره يقول فيه: "... وأن لا نكتفي بمجرد القول دون الاعتقاد القلبي بذلك. فلو أردنا الإسلام فلا بد لنا من مواجهة كافة أشكال الانحرافات، وأن ننطلق في ذلك من أنفسنا أولاً، فنصلح ما فيها من عيوب ونقائص لأن كل إنسان لا محالة يرى في نفسه نقصاً أو عيباً، ومن لا يرى ذلك في نفسه فإن هذا بحث بحد ذاته نقص. فعلى الإنسان أن يبدأ بنفسه أولاً فيربيها ويزكيها ثم يعمل على تربية أسرته والمحيطين به. فعليكم أن تبدأوا بتربية أنفسكم أولاً ثم عائلاتكم ثم بعدها يمكنكم تربية الآخرين"9.

عبد الكريم التبريزي


  199


  هوامش

1- ماه شابان القمر المنير، ص35.
2- التحريم: 6.
3- مريم: 55.
4- الأعراف: 32.
5- جولة في نهج البلاغة، ص228.
6- الكافي، ج2، ص177.
7- نهج البلاغة، الرسالة 53.
8- بحار الأنوار، ج48، ص100.
9- صحيفة نور، ج13، ص489.