التبليغ في كلام الإمام الخامنئي دام ظله

قيمة التبليغ

من آفات التبليغ

أ - النظرة الضيقة للإسلام:
هناك اتجاه يحصر الإسلام بحفنة من الأعمال العبادية، أو على أكثر الاحتمالات، بمجموعة من الممارسات الشخصية، وينتزع منه أهم جوانب الحياة، ويجرده من السياسة والاقتصاد ومن العلاقات الاجتماعية والأعمال المهمة، ويصوّره وكأنه مجردعقيدة قلبية وعمل فردي، ويحبسه كحد أقصى في إطار الأسرة والعلاقات العائلية. وهذا ليس هو الإسلام الذي يهفو إليه عالم اليوم، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما دخل المدينة أقام فيها حكومة إسلامية تولى هو قيادتها. ولو كان للإسلام أن ينتشر بدون اقتدار وبدون النظر في القضايا السياسية للدولة والمجتمع، لفوّض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحكومة لمن كانوا يطمحون إليها وانشغل هو بشؤون التبليغ ولسار على نحو يقتصر على بيان الأحكام ونصيحة الناس، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقام نظاماً إسلامياً.1

ب- التساهل والجهل آفتان تنجم عنهما الكوارث
ومعنى التساهل هنا هو أن المرء يُلقي كل ما يخطر على ذهنه باسم الدين ومن الطبيعي أن كل من لا يجيد التبليغ يُلقي إلى الناس باسم الدين كل ما يستذوقه وكل ما يراه حسناً، وفي الحقيقة أن هذه آفة تنتهي بتكريس الأخطاء وإيجاد


  15


الانحرافات الفكرية والعلمية التي تنجم عنها كوارث اجتماعية فادحة.2

ج - التحجر:

الآفة الأخرى التي تقف دون أداء هذه المهمة هي التحجر، والفهم الخاطىء وعدم تشخيص الموضوعات المهمة، وتضخيم الموضوعات الجزئية.ويجب العثور على الصراط المستقيم بين هذين السبيلين.
هذه المهمة تقع على عاتقكم أنتم الشباب، وعلى عاتقكم أنتم فضلاء الحوزة، وعلى عاتقكم أنتم العلماء العظام، هذه المهمة ينبغي القيام بها تحت إشراف الأكابر والإعلام والمراجع الكبار في الحوزات العلمية، حيث كانت هذه المهام قد بدأت والحمد لله بفضل وجود الثورة، وهي تسير حالياً بوتيرة بطيئة أوسريعة أو معتدلة تارة أخرى. وعلى كل الأحوال فقد بدأت هذه المهام تأخذ طريقها إلى حيز التطبيق ويجب مواصلتها.3

د - الإنكفاء عن التبليغ بسبب الدراسة:

يأتون من مختلف البلدان، يطلبون مبلغين، لكننا نفتقر إلى المبلغين. ويأتون من المدن الإيرانية يطالبون بمبلغين، لكننا ليس لدينا مبلّغ. يريدون إماماً للجمعة، فلا نستطيع تأمين ذلك... رغم وجود الحوزة العظيمة، هناك مناطق تبقى أحياناً ستة أشهر أو سنة من دون إمام جمعة! ترى هل طالبناهم بالذهاب إلى غابات الأمازون للتبليغ؟ السادة يمتنعون عن الذهاب، وإذا سألناهم عن السبب، أجابوا بأنهم يريدون مواصلة دراستهم: إخوتي؛ لست راضياً عن هذا الموقف. قولوا ما شئتم، أقسم بالله إني لا أعتبر هذا الموقف دينياً4.


  16


لا يصح القول: إن الشخص الفلاني درس "المكاسب" و"الكفاية" وصار فاضلاً، فمن غير المناسب أن يذهب للتبليغ في أوساط العشائر؟ تُرى لماذا أتعب نفسه ودرس "الكفاية" و"المكاسب"؟ إن جميع هذه الدروس مقدمة لاجتذاب الناس للإسلام وحثّهم على الإلتزام بالدين فـ"لئن يهدي الله بك رجلاً خير مما طلعت عليه الشمس"5.

لعل مصداق الهجرة لطلاب العلوم الدينية والأفاضل المستقرين في الحوزات، يتمثل في الهجرة إلى مناطق العالم للتبليغ فيها. وبوسع بعض الطلاب الإقامة في مدينة وإرشاد أهلها. إذ لا يترتب فائدة على البقاء في قم بالنسبة للمئات من الطلاب سوى أنهم يلقون بعض الدروس على عشرين أو ثلاثين طالباً وهو ما يقوم به غيرهم6.

على مسؤولي الحوزة العلمية وأكابرها وأعيانها أن يكونوا البادئين في سلوك هذا الطريق، وأحياناً يترتب على وجود بعض العلماء الكبار في مدن أخرى منفعة أكبر بكثير من تلك الحاصلة من بقائهم في مدينة قم. وثمة شواهد من الواقع على ذلك. فمثلاً لقد هاجر المرحوم آية الله الميلاني رضوان الله عليه من كربلاء وهي قريبة من النجف (وكان أمثاله يقيمون في كربلاء والنجف) إلى مشهد ليؤسس فيها حوزة علمية كبيرة... وحقاً كان وجود المرحوم آية الله البهبهاني بركة لحوزة مشهد وكان بمقدوره أن يظل في كربلاء إلى نهاية عمره... لكنه جاء إلى مشهد وكان منشأً للبركة فيها7.

ليس هناك ما يمنع الطالب الشاب من ترك الحوزة والدرس لمدة سنة للتبليغ


  17


في منطقة معينة ثم يعود إلى الحوزة ليحل محله فرد آخر، وهذا لا يسفر عن خسارة دراسية للطالب. فسنة واحدة لا تضرّ بالطالب الذي أنهى المقدمات وتقدم نسبياً في الفقه والأصول والمسائل الاستدلالية8.

هـ - التعلل بالإمكانات:
هناك قرى في بلادنا تفتقر لعالم دين، فعلى علماء الدين أن يتوجهوا إليها دون أي شروط مسبقة، بعضهم يقول لنا: يجب توفير كذا من الإمكانات وكذا من الامتيازات كيما نذهب. أنا لا أنفي الحاجة للأمور المادية والظروف الحياتية المناسبة لكن لا يجب فرض ذلك كشروط مسبقة فلينطلقوا ويعقدوا العزم9.

أكرر للسادة العلماء الإشارة إلى أننا نعرف قساوسة أعرضوا عن مدنهم الراقية وحياتهم المرفهة في أوروبا، وقطعوا آلاف الكيلومترات ليبلّغوا المسيحية في أميركا اللاتينية أو أفريقيا أو غابات الأمازون أو غينيا وقد أمضوا سنوات من عمرهم هناك، وقد وصلوا في عهد الاستعمار إلى مناطق لم تطأها أقدام المستعمرين، فذهبوا إلى تلك المناطق حاملين الصليب معهم ومروجّين لأفكارهم الخرافية في أوساط السكان المحليين الذين كان بعضهم مسلماً. هكذا ينشطون في باطلهم فلماذا لا ننشط نحن في حقنا ونعقد العزم على نشره10.


  18


  هوامش

1- وسائل الدعوة الإسلاميّة ومبانيها 28 محرّم 1419 هـ.
2- التبليغ أمانة إلهية 24 شعبان 1419 هـ.
3- التبليغ أمانة إلهية 24 شعبان 1419 هـ.
4- خطاب القائد ـ ألقي في 30/11/1370هـ.ش.
5- خطاب القائد ـ ألقي في 15/7/1371هـ.ش.
6- خطاب القائد ـ ألقي في 21/6/1373هـ.ش.
7- خطاب القائد ـ ألقي في 21/6/1373هـ.ش.
8- خطاب القائد ـ ألقي في 5/11/1373هـ.ش.
9- خطاب القائد ـ ألقي في 20/4/1370هـ.ش.
10- خطاب القائد ـ ألقي في 15/7/1371هـ.ش.