الليلة الأولى: مجلس وداع المدينة

يَا صَاحِبَ العَصْرِ اسْتَهِلَّ مُحَرَّمَا

وَبِمُقْلَتَيْكَ أَهِلَّ دَمْعَكَ وَالدِّمَا

فَهِلَالُ شَهْرِ مُحَرَّمٍ شَقَّ السَّمَا

حُزْنَاً عَلَى سِبْطِ الرَّسُولِ فَأَظْلَمَا

أَتَرَاهُ يَا مَوْلَايَ مُحَمَّرَاً بَدَا

يَبْكِي حُسَيْناً يَسْتَغِيثُ تَظَلُّماً

فَمُحَرَّمٌ فِيهِ الهَنَاءُ مُحَرَّمٌ

وَبِهِ التَّباكِي لِلشَّعائِرِ عَظَّمَا

لَا غَرْوَ إِنْ بَكَتْ الكَوَاكِبُ كُلُّهَا

وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ المُنِيْرُ تَعَتَّمَا

لِمُصَابِ مِصْبَاحِ الوِلَايَة وَالهُدَى

وَسَفِينَةٍ فِيها الخَلَاصُ تَحَتَّمَا

فَمُصَابُهُ أَبْكَى الرَّسُولَ الأَعْظَمَا

وَعَلِيّاً المَوْلَى الإِمَامَ الأَكْرَمَا

وَكَذَاكَ أَبْكَتْ ذِي المُصِيبَةُ فَاطِماً

وَالجِنُّ نَاحَتْ وَالمَلَائِكُ فِي السَّمَا

أَفَلَسْتَ تَنْدُبُهُ صَبَاحَاً وَالمَسَا

أَوَلَسْتَ تَبْكِيهِ مِنَ الدَّمْعِ دَما

فَمَتَى سَتَخْرُجُ لِلتَّظَلُّمِ رَافِعَاً

رَايَاتِ ثَأْرٍ لِلْحُسَيْنِ وَقَائِمَا

فَلَقَدْ تَحَيَّرَتِ العُقُولُ تَرَقُّبَاً

وَلَقَدْ تَفَطَّرَتِ القُلُوبُ تَأَلـُّماً

فَاظْهَرْ لِتَمْلَأَ أَرْضَنَا عَدْلَاً كَمَا

مُلِئَتْ فَسَادَاً وَاسْتُبِيحَتْ بِالدِّمَا


9


شعبي:

قلبك هالمسيّه اشلون

يا بن العسكري حالـه

ابعينك من شفت عاشــور

بيّن بالسمـا اهلالــــه

تضل طول الدهر محجوب

يلغايب شلك نيّه

ما تسمع نواعي احسين

والدين او نواخيه

تريد اثلثطعش مهيوب

يالمهدي او ثلث ميّه

اوبيهم تنتهض للدين

وتطالب ابدم احسين

ما تدري ينور العين

جـدك قابـل ابســبعين

جيش الدهــر واشـراره

عينك من تشوف الماي

يا لغايب او جاريه  


10


ما تذكر اطفال احسين

وشعملوا بنو اميّه

الكم كم طفل تلعب

على اخدوده تراكيّه

يلوج امن العطش والحر

او كبده امن الظما اتفطر

وأمه ليه تتفكر

تشوف اولـيدها يبكـــي

او سهم الحتف يبرالـــه  

أبوذية:

يمـن حكمك جراه الله علملاك

متى تنشر يبو صالح علملاك

ابچتل احسين ما واصل علملاك

او نساه المشت للطاغي هدية


11


هذه الأيّام هي أيّام أحزان خاتم النبيّين وأهل بيته الطاهرين ومواساتهم فيها بالبكاء ونحوه من مظاهر الحزن والعزاء هي من أظهر علامات المودّة والولاء ومن أهمّ الوسائل لتحقيق المغفرة للذنوب والتكفير عن السيّئات ولو كانت مثل زبد البحر كما في بعض الروايات, وبها نكسب أعظم الأجر وأكثر الحسنات وبدموعنا التي نذرفها حزناً على الحسين عليه السلام نطفئ حرّ النّار ونفوز بشفاعة النبيّ صلى الله عليه واله وسلم وآله الأطهار ونحشر معهم في أعلى درجات الجنان.

فلنعزّ سيّدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ولنواسيه ونتأسّ به في هذه الليالي وهو الذي بكى لما سيجري على الحسين عليه السلام منذ ولادته قائلاً: "أبكي لابني هذا تقتله الفئة الباغية من بعدي, لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة", وفي أوائل سنيّ طفولته كان ينظر إليه ويبكي قائلاً: "عزيز عليَّ يا أبا عبد الله" ثمّ يقبّله في جبهته ونحره وصدره ويقول: "أقبّل منه مواضع السيوف". كان صلى الله عليه واله وسلم يذكر مصابه في ليله ونهاره في حضره وأسفاره في مسجده وبيته وبيوت أزواجه وبيت ابنته فاطمة عليه السلام إلى أن دنا أجل منيّته فضمّ الحسين إلى صدره يرشح من عرقه عليه وهو يقول: مالي وليزيد لا بارك الله فيه أللهمّ العن يزيد....


12


هكذا كان وداع رسول الله صلى الله عليه واله وسلم لسبطه الحسين عليه السلام وهو يفارق الدنيا وينتقل إلى جوار ربّه راضياً مرضيّاً, فكيف كان وداع الإمام الحسين عليه السلام لجدّه رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وهو يهاجر من مدينة جدّه صلى الله عليه واله وسلم إلى الله ورسوله رافضاً بيعة يزيد وأمثاله.

بلى أتى إلى قبر جدّه الرسول صلى الله عليه واله وسلم فأهوى على القبر وهو يقول: السلام عليك يا جدّاه أنا الحسين بن فاطمة فرخك وابن فرختك وسبطك الذي خلّفتني في أمّتك فاشهد عليهم يا نبيّ الله أنّهم خذلوني وضيّعوني ولم يحفظوني وهذه شكواي إليك حتّى ألقاك.

ثمّ صفّ قدميه فلم يزل راكعاً وساجداً حتّى الصباح. وفي الليلة التالية جاء إلى قبر جدّه صلى الله عليه واله وسلم فصلّى عند القبر ركعات ثمّ قال: "أللهمّ إنّ هذا قبر نبيّك محمّد صلى الله عليه واله وسلم وأنا ابن بنت نبيّك وقد حضرني من الأمر ما قد علمت, أللهمّ إنّي أحبّ المعروف وأنكر المنكر وأنا أسألك يا ذا الجلال والإكرام بحقّ القبر ومن فيه إلّا اخترت لي ما هو لك رضا ولرسولك رض".

حتّى إذا كان قريب الصبح وضع رأسه على القبر فأغفى فإذا هو برسول الله صلى الله عليه واله وسلم قد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه وشماله وبين يديه فضمّ الحسين إلى صدره وقبّل ما بين عينيه وقال:


13


حبيبي يا حسين, كأنّي أراك عن قريب مرمّلاً بدمائك مذبوحاً بأرض كرب وبلاء بين عصابة من أمّتي وأنت مع ذلك عطشان لا تسقى وظمآن لا تروى وهم مع ذلك يرجون شفاعتي يوم القيامة وما لهم عند الله من خلاق.

حبيبي يا حسين إنّ أباك وأمّك وأخاك قدموا عليَّ وهم مشتاقون إليك وإنّ لك في الجنان لدرجات لن تنالها إلّا بالشهادة".

يجدي ريتني حاضـر بوادي كربـلا يمـك

وشدن جرح البكبـدك وخضب شيبي بدمـك

علي امصيبتك يحسين مثل مصاب ضلع أمك

ولمّا انتبه الحسين عليه السلام من غفوته ودّع قبر أمّه الزهراء عليها السلام .

ودع قبر جده اوقصد قبر الزكية واحنى يشم القبر ودموعه جريه

ولنه البتول توّن ونات خفيه وتصيح يبني أنسيتني ضلعي المكسور

بوداعة الله يا عزيزي الكربلا روح كني أشوفك في فيافي الطف مذبوح

او كني اعاين نسوتك من حولك تنوح اوخوتك اوولدك بين مطعون ومنحور

 

ثمّ ودع قبر أخيه الحسن عليه السلام وعاد إلى الدار وتهيّأ للرحيل


14


للرحيل فأقبلت أمّ المؤمنين أمّ سلمة ونساء بني عبد المطلب لوداع الحسين عليه السلام واجتمعن للنياحة والبكاء فأوصاهنّ بالصبر وكتمان الأمر, وأمر الركب بالمسير وما أن مشوا قليلاً حتّى سمعوا منادية من خلفهم:

أبتاه يا أبا عبد الله قف لي هنيهة. وإذا بها فاطمة الكبرى العليلة...

يحادي الظعن وياكم اخذوني عقبكم يهلي يعمن اعيوني

وحدي بها الوطن لا تخلوني عليلة والجسم يلتهب بالسم

فتوقّف الحسين عليه السلام وأمر العبّاس عليه السلام أن يوقف الركب ونزل إليها وضمّها إلى صدره وقال: ماذا تريدين يا بنيّه ألم أوصك بالبقاء في المدينة، قالت: بلى يا أبتاه, ولكنّ الدنيا أظلمت في عيني لمّا خلت منكم المنازل والديار فلا تتركني وحيدة في هذه الدار، فقال لها: بنيّة فاطمة إذا وصلت إلى مقرّي سأبعث إليك عمّك العبّاس أو أخاك عليّاً ليحملك إلينا

يگللها عليله انتي يبويه او خطر مسرانه وخاف امن التعب ياذيك لو خذناك ويانه


15


تمي اهنا او بعد ايام اوديلك الريحانه يجيبك والشمل يلتم گلبك لا يضل مهتم

گلبي اعليك يتألم لو شـفتك ابه الحالـــه او روحي الحزن يعلاهـا

فقالت: لا يا أبه إن نفسي تحدّثني أن لا لقاء بكم بعد هذا اليوم فأمهلني حتّى أودّع أعمامي وعمّاتي وإخوتي وأخواتي، قال: شأنك يا بنتاه، فأقبلت فاطمة تطوف على الهوادج ودّعت عمّتها زينب عمّتها أمّ كلثوم أخواتها سكينة فاطمة الصغرى رقيّة ووصلت إلى هودج الرباب زوجة أبيها الحسين عليه السلام ودّعتها ثمّ مدّت يديها وتناولت أخاها عبد الله الرضيع من حجر أمّه وضمّته إلى صدرها وطلبت من أبيها أن يتركه معها.

تقله كلكم اتغيبون وابگ بها الوطن وحدي

مالي حيل فرگاكم او ذاب امن الحزن كبدي

يبويه عاد خليلي عبد الله الطفل عندي

بلكن يرد وحشتكم او يسليني اعلى فرگتكم


16


اخاف اتطول غيبتكم او تبگـه دمعتــي تجـري

ولا ينگطـع مجــراه

أبو ذيّة:

ابوك القال اما الموت وامه حياة العز قصد للبيت وامه

الطفل بحضان ابوه ارباه وامـه وعليها يصعب افراقه وعليَّه

هَلْ تَعُوْدُونَ يَا كِرَامُ عَلَيْنَ أَمْ قَضَى ذُوْ الجَلَالِ أَلَّا تَعُودُوا


17