المحاضرة الثانية: الالتزام بالأحكام الشَّرعيَّة والتفقّه في الدين

الهدف:
التعرّف إلى أهمّيّة الالتزام بالأحكام الشرعيّة، وضرورة التفقّه في الدين.

تصدير الموضوع:

روى أبو حمزة الثّماليّ عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال: "خَطبَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي حجّةِ الوَداعِ، فقالَ: يا أيُّهَا النّاسُ، واللهِ ما مِن شيءٍ يُقرِّبُكُمْ مِن الجنَّةِ ويُباعِدُكُمْ مِن النّارِ إلّا وقَد أمرتُكُمْ بِهِ، وما مِن شيءٍ يُقرِّبُكُمْ مِن النّارِ ويُباعِدُكُمْ مِن الجنَّةِ إلّا وقَد نَهيتُكُمْ عَنهُ"1.


67


تمهيد
إنّ تعاليم ديننا الحنيف وأحكامه الشرعيّة برمّتها، تتمحور حول بيان السُّبل المثلى التي تصقل شخصيّة العبد وتُنمّي قدراته لبلوغ أسمى درجات الكمال الحقيقيّ. فالواجبات والمستحبّات جميعها تأخذ بيده لتحقيق هذا الهدف السامي بلطفٍ من الله تعالى حيث جعلها أُسُساً لبناء شخصيّته وترسيخ دعائم المجتمع، وصيّرها حصناً حصيناً يصدّ هجمات إبليس وجنوده ويكبح جموح النفس ونزواتها.

1- هدف تشريع الأحكام

إنّ الله تعالى خلق العبد بجسمٍ ماديٍّ وروحٍ مقدّسةٍ، وأسكنه الأرض حتّى يتهيّأ لحياته الأبديّة، فزرع في نفسه الرغبة في السَّير نحو العُلا وبلوغ السعادة المنشودة عن طريق التقرّب إليه بالأعمال الحميدة التي هي جسرٌ من عالم المادّة إلى عالم الرُّوح، وهذا هو طريق ذات الشوكة الذي يُكابد فيه السالك ما يُكابد. قال عزّ وجلّ في كتابه المجيد: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ2.

واستناداً إلى التجربة وحُكم العقل، هناك شرطان أساسيّان لا بدّ من تحقّقهما لقطع أيّ طريقٍ وبلوغ نهايته، وهما:
أ- وجود المقتضي، أي توفّر الوسيلة أو الوسائل التي تيسّر سلوكه. وبالتأكيد كلّما كانت هذه الوسيلة أقوى وأصلح وأكثر


68


انسجاماً مع طبع الإنسان، فإنّ السفر سيكون أسهل وأسرع وأكثر راحةً.

ب- ارتفاع المانع،
أي رفع كلّ ما من شأنه عرقلة سلوكه، أو إعاقته ومنعه عنه.

لذا، فما هي الوسائل اللازمة لسلوك الإنسان أهمّ سبيلٍ في حياته على الإطلاق، ابتداءً من عالم المادّة وصولاً إلى عالم الروح والقرب الإلهيّ الذي هو الهدف والمقصود؟ وما هي الموانع التي تعترض هذا الطريق وتحول بين العبد وبين تحقيق هدفه الأسمى؟

إنّ ديننا الإسلاميّ الحنيف دين هداية الإنسان، وجميع تعاليمه وأحكامه تنصبّ في إعانته على تحقيق هذا الهدف. ولهذا، نجد الكثيرين يتساءلون بالكثير من الأسئلة عن كيفيّة الوصول وتحقيق الهداية، فماذا وفّر للإنسان من وسائل تيسّر سفره المضني هذا وتهديه إلى أقرب الطُّرق وأسرعها لبلوغ غايته المنشودة؟ وماذا أعدّ له من حلولٍ لمواجهة قطّاع الطُّرق وإزالة عقبات السَّفر؟ هذه أهمّ الاستفسارات التي يواجهها كلّ إنسان يبحث عن نقطة انطلاقٍ لتهذيب نفسه وبناء مجتمعه ولا يرجو من حياته إلّا أن تكون مقدّمةً للفوز بنعيم الآخرة.

وللإجابة عمّا ذُكر نقول: لا بدّ لنا من الإقرار بأنّ جميع تعاليم الشريعة الإسلاميّة وأحكامها أنعم الله تعالى بها على عباده لتُيسّر له سلوك السَّبيل الصحيح وبلوغ أهدافه المنشودة الذي ينعم فيه بالسعادة الأزليّة. والركن


69


الأساسيّ الذي يحقّق الثواب، ويضمن الجزاء الأكمل لكلّ عبادةٍ أو عمل هو تحقّق نيّة القربة طلباً لرضى الله تعالى، حيث يجب على العبد أن يستفيد من أحكام الله وتشريعاته لكسب درجات العُلا عند معبوده الأوحد.

2- آثار اتّباع الأحكام الشرعيّة

إذن، السَّبيل الوحيد لبلوغ السعادة الأُخرويّة والخلاص من مستنقع الدّنيا هو الأوامر والنّواهي التي جاءنا بها خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم في شريعته السمحاء، حيث بيّنها في الحديث التالي:
روى أبو حمزة الثّمالي عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال: "خَطبَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي حجّةِ الوَداعِ فقالَ: يا أيُّهَا النّاسُ، واللهِ ما مِن شيءٍ يُقرِّبُكُمْ مِن الجنَّةِ ويُباعِدُكُمْ مِن النّارِ إلّا وقَد أمرتُكُمْ بِهِ، وما مِن شيءٍ يُقرِّبُكُمْ مِن النّارِ ويُباعِدُكُمْ مِن الجنَّةِ إلّا وقَد نَهيتُكُمْ عَنهُ"3.

أمّا إبليس وجنوده فيتربّصون بابن آدم الحيَل ويتّبعون شتّى الوسائل لقطع الطريق عليه ومحاصرته، إذ يوسوسون له بارتكاب الذّنب ويحرّضونه على معصية خالقه. والقرآن الكريم بدَوره قد فضح هذه الدّسائس وحذّر الإنسان من الوقوع في مهالك فِتنة هؤلاء الفسقة ومكائدهم. ففي سورة الأعراف أخبرنا الله عزّ وجلّ أنّ إبليس بعد أن طُرد من حضرة القُدس عندما امتنع عن السجود لآدم، توعّد ذريّته قائلاً: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي


70


لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ4.

والحقيقة أنّ التّكاليف الشرعيّة، ولا سيّما العبادات، لا تقرّب العبد من ربّه وتقوده إلى الكمال وحسب، بل تُفسد مخطّطات إبليس وتُحبط مساعيه الدنيئة وتعين العبد على الغلبة على نفسه وتكبح أطماعها الدنيويّة. فاستعانة المسلم بالواجبات والمستحبّات هي السَّبيل الوحيد لكسر شوكة الشياطين وظفره في صراعه المرير مع ملذّات الدنيا الزائلة في جهاده الأكبر، فقد خاطب تعالى عبادَه المؤمنين قائلاً: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ5.

وطبعاً، فإنّ الاستعانة بالأحكام الشرعيّة لبلوغ درجة الكمال تتطلّب الخضوع لذات الله تعالى وعبادته بخشوعٍ، ولكن للأسف الشديد فإنّ جميع المسلمين لا يمتلكون هذه القدرة، حيث قال تعالى:
﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ6. وأكّد تعالى شأنه دَور الصّلاة الهامّ في هذا المضمار بقوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ7.


71


يقول العلّامة محمّد حسين الطباطبائيّ رحمه الله في تفسير هذه الآية المباركة: "الصَّلاةُ عمَلٌ عِباديٌّ يُورِثُ إقامتُهُ صفةً روحيّةً في الإنسانِ تكونُ رادعةً لهُ عن الفحشاءِ والمنكرِ، فتتنزّهُ النفسُ عن الفحشاءِ والمنكرِ وتتطهّرُ عن قذارةِ الذُّنوبِ والآثامِ. فالمرادُ بهِ التوسُّلُ إلى ملَكَةِ الارتِداعِ الّتي هِي مِن آثارِ طبيعةِ الصّلاةِ بنحوِ الاقتضاءِ، لا أنَّها أثرُ بعضِ أفرادِ طبيعةِ الصّلاةِ، ولا أنّها أثرُ الاشتغالِ بالصّلاةِ ما دامَ مُشتغلاً بِها، ولا أنّ المرادَ هُو التوسُّلُ إلى تلقِّي نَهي الصّلاةِ فَحسبُ من غيرِ نظرٍ إلى الانتهاءِ عن نَهيها كأنّهُ قيل: أقِم الصّلاةَ لتَسمعَ نَهيها، ولا أنّ المرادَ أقِم الصّلاةَ لينهاكَ الذِّكرُ الّذي تشتملُ عليهِ عن الفَحشاءِ والمنكرِ. فالحقُّ فِي الجوابِ أنّ الرّدعَ أثرُ طبيعةِ الصّلاةِ الّتي هِي تَوجُّهٌ خاصٌّ عباديٌّ إلى اللهِ سبحانَهُ، وهو بنحو الاقتضاءِ دونَ الاستيجابِ والعلّيةِ التامّةِ، فربّما تخلفُ عن أثرِها لمقارنةِ بعضِ الموانعِ الّتي تُضعفُ الذِّكرَ وتقرّبهُ من الغفلةِ والانصرافِ عن حاقِّ الذّكرِ، فكُلّما قَويَ الذّكرُ وكملَ الحضورُ والخشوعُ وتمحّضَ الإخلاصُ، زادَ أثرُ الرّدعِ عن الفحشاءِ والمنكرِ وكلّما ضعُفَ، ضعُفَ الأثرُ"8.

وكذا إنفاق المال في سبيل الله تعالى مقدّمةٌ لرقيّ الإنسان وبلوغه السعادة المنشودة، لما في ذلك من تنفيسٍ عن المكروبين وقضاءٍ لحوائجهم، وكذلك دَوره التربويّ في المجتمع، فقد قال عزّ وجلّ:
﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ9.


72


أمّا الأحاديث المرويّة عن المعصومين عليهم السلام التي تدور حول الآثار التربويّة للتكاليف والأحكام الشرعيّة وتأثيرها الكبير في الفرد والمجتمع فهي كثيرةٌ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "اعمَلْ بِفرائضِ اللهِ، تَكُنْ أَتقَى النّاسِ"10.

عن الإمام عليّ عليه السلام: "الصَّلاةُ حِصنٌ مِن سَطَواتِ الشَّيطانِ"11.

وعن السيّدة فاطمة الزّهراء عليها السلام: "فرَضَ اللهُ الصِّيامَ تثبيتَاً للإخلاصِ"12.

3. استفسارٌ هامّ وجوابٌ

بما أنّ أداء الواجبات والتكاليف الشرعيّة يُهذّب شخصيّة الإنسان ويصونه من ارتكاب المحرّمات، فكيف يرتكب بعض الناس المعاصي والآثام برغم التزامهم بأداء فرائضهم الدينيّة، كالصلاة والصيام والحجّ؟! لماذا لا تحول أعمالهم العباديّة دون انحرافهم؟!

وفي الجواب نقول:
أوّلاً: إنّ الملتزمين بأداء فرائضهم الدينيّة، طبعاً، أقلّ ارتكاباً للمعاصي من غير المتديّنين الذين لا يُعيرون أهميّةً لما كُلّفوا به من واجباتٍ، ولا سيّما أنّهم أقلّ ارتكاباً لكبائر الذّنوب والآثام التي تفتك بالفرد وتزلزل أركان المجتمع. ففي شهر رمضان المبارك على سبيل المثال، فإنّ غالبيّة المسلمين منهمكون في العبادة وأعمال الخير والمعروف،


73


الأمر الذي يجعل نسبة المعاصي في المجتمع تصل إلى أدنى حدٍّ لها طوال العام، لذا يمكننا القول إنّ العمل بظاهر أحكام الشريعة والتقيّد بأداء الواجبات له أثرٌ نسبيٌّ لا يمكن إنكاره.

يقول الإمام الخميني قدس سره بهذا الصدد: "تابعوا ملفّات الْجُناة والمحكومين في دور القضاء والمحاكم، هل ستجدون ملفّاً لشخصٍ ملتزمٍ بصلاته؟! فكلّ ما ستجدونه هناك لتاركي الصّلاة. الصّلاة دعامة الشعب ... الهدف هو تطبيق الإسلام، وبالإسلام يصلح الإنسان، الصلاة مصنع لبناء الإنسان وتهذيبه، الصلاة المتكاملة تُنقذ الأُمّة من الفحشاء والمنكر. فالّذين يرتادون مراكز الفساد هم تاركو الصّلاة، وأمّا المصلّون في المساجد فهم مستعدّون لتقديم الخدمة لمجتمعهم"13.

ثانياً: إنّ التكاليف الشرعيّة بذاتها تقتضي ابتعاد الإنسان عن ارتكاب الذّنوب، وبإمكانها أن تصونه من الانحراف، ولكنّ بعض الناس لم يلتزموا بروح العبادة وحقيقتها وآدابها الظاهرية والقلبية التي تُزكّي النفس، فتقيّدوا بظاهرها وحسب.

فقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: "لا صَلاةَ لِمَن لَم يُطِعْ الصّلاةَ، وطاعةُ الصّلاةِ أنْ تَنهَى عَن الفحشاءِ والمنكرِ"14.


74


ورُوي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام أنّه قال: "مَن أحبَّ أنْ يعلَمَ أَقُبِلَتْ صلاتُهُ أم لَم تُقبَلْ، فَلْينظُرْ هَل مَنعَتهُ صلاتُهُ عَن الفحشاءِ والمنكرِ، فبِقَدرِ ما مَنَعتهُ قُبِلتْ منهُ"15.

ونظراً لأهميّة الواجبات الدينيّة ودَورها في عروج الإنسان إلى حضرة القُدس، نلاحظ أنّ أوّل خطوةٍ لإبليس عدوّ الإنسان اللّدود هي صدّه عن أدائها. أمّا إذا فشل هذا الملعون في إغواء العبد بتركها، فإنّه يسعى للتقليل من تأثيرها في نفسه ويوسوس له كي يقع في فخّ الرياء والغفلة عن الحقيقة، وبالتالي ستفقد العبادة جانبها التربويّ الذي يعينه على تزكية نفسه. وعندما يفشل عدوّ الله في محاولته الثانية هذه، فإنّه يلجأ إلى شتّى الحيَل والمكائد ليُفسد ما أسلف العبد من أعمالٍ صالحةٍ.

4- أرقى درجات الالتزام (التفقّه في الدين)

التفقّه في الدين من المسائل الأساسيّة والمحاور الحيويّة التي تمثّل جزءاً مهمّاً من حياة الإنسان المسلم وتلازمه منذ أن يلتفت إلى نفسه ويُميّز ما هو؟ وما مصيره؟ وما هي تكاليفه؟ وماذا عليه أن يفعل؟ ولكون هذا المحور أساسيّاً فإنّ البحث يستدعي تسليط الضوء على ما جاء في الشريعة الغرّاء من تأكيد له، وضرورة كون المسلم متفقّهاً في دينه، باحثاً عن تكليفه.


75


فقد وردت في القرآن الكريم آيات عديدة أشارت إلى ضرورة التعلّم والتعقّل والتفقّه، لعلّ من أوضحها قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون16.

وأفاد جملة من المفسّرين وأهل اللغة - أنّ الآية المباركة تفيد الحثّ والتحضيض وأنّه ينبغي أن يُفعل ذلك.

وأمّا الروايات فهي أوضح دلالة وأشدّ توكيداً على ذلك: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه عليه السلام يَقُولُ: "تَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ فَإِنَّه مَنْ لَمْ يَتَفَقَّه مِنْكُمْ فِي الدِّينِ فَهُوَ أَعْرَابِيٌّ، إِنَّ اللَّه يَقُولُ فِي كِتَابِه":
﴿لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون17.

وفي الحديث يُبيّن لنا الإمام الصادق عليه السلام حقيقة وهي أنّنا علينا أن نتفقّه في الدين وإلاّ فسوف نقع في دائرة الأعراب فنكون من الجاهلين بالدين والغافلين عن أحكامه.

وروي عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال: "الكمال كلّ الكمال التفقّه في الدين، والصبر على النائبة، وتقدير المعيشة"18.

ومنها ما ورد عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه عليه السلام قَالَ (الراوي): قَالَ لَه رَجُلٌ: جُعِلْتُ فِدَاكَ رَجُلٌ عَرَفَ هَذَا الأَمْرَ لَزِمَ بَيْتَه ولَمْ يَتَعَرَّفْ إلَى أَحَدٍ مِنْ


76


إِخْوَانِه؟ قَالَ: فَقَالَ: "كَيْفَ يَتَفَقَّه هَذَا فِي دِينِه"19.

وفي هذا التساؤل من الإمام عليه السلام إشارة إلى عدم اكتفاء الإنسان بنفسه، وأنّه لا بدّ له من المتابعة والتفقّه على يد شخصٍ آخر، ولعلّ أهمّ دلالة في الرواية هذه - وهو ما نودّ الإشارة إليه - هو أنّ الإنسان لا يكفيه معرفة أحقيّة اتّباع أهل البيت عليهم السلام، وإنّما لا بدّ له من التفقّه في الدين، وأنّ عليه أن يبحث عمّن لديه معرفة وتفقّه في الدين لكي يأخذ عنه، وهذا أمر مطلوب سواء كان ذلك في الأزمنة المتقدّمة أو المتأخرة.

وهنا لا نغفل عن أن نقول: إنّ ذلك هو الطريق إلى مشاركة الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه في كربلاء، فأصحاب الإمام الحسين عليه السلام فئة من الناس التزموا بجميع أحكام الدين، وكان متفقّهين دينهم، ومن أتباع أهل البيت عليهم السلام، وتمسّكوا بنهج الإمام الحسين عليه السلام لأنّه طريق الهداية والصلاح والخير، فلكي نكون من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام علينا أن نتّبع نهجه وفكره وعقيدته وسلوكه.


77


هوامش

1- الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص74.
2- سورة الانشقاق، الآية 6.
3- الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص74.
4- سورة الأعراف، الآيتان 16 ـ 17.
5- سورة البقرة، الآيتان 152 ـ 153.
6- سورة البقرة، الآية 45.
7- سورة العنكبوت، الآية 45.
8- السيد الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، إيران ـ قم، 1417هـ، ط5، ج16، ص135.
9- سورة آل عمران، الآية 92.
10- الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص82.
11- علي بن محمد الليثي الواسطي، عيون الحكم والمواعظ، دار الحديث، لا.ت، لا.ط، ص66.
12- الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص466.
13- الإمام الخميني، صحيفة النور (باللغة الفارسية)، ج12، ص148.
14- الطبرسي، الشيخ الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، تحقيق وتعليق لجنة من العلماء والمحققين الأخصائيين، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، لبنان - بيروت، 1415ه.ق - 1995م، ط1، ج8، ص29.
15- الشيخ الطبرسي، تفسير مجمع البيان، مصدر سابق، ج8، ص29.
16- سورة التوبة، الآية 122.
17- الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج1، ص31.
18- المصدر نفسه، ج1، ص32.
19- المصدر نفسه، ج1، ص31.