المحاضرة الثانية: ثقافة التسامح في الإسلام

الهدف:
التعرّف إلى مفهوم التسامح وقيمته في الإسلام، وأثره في استقرار المجتمع.

تصدير الموضوع:

قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ1.


131


تمهيد
يعتبر التّسامح أحد المبادئ الإنسانيّة والأخلاقيّة، وما نعنيه هنا هو مبدأ التّسامح الإنساني والأخلاقي، كما أنّ التّسامح في دين الإسلام يعني نسيان الماضي المؤلم بكامل إرادتنا، وهو أيضاً التخلّي عن رغبتنا في إيذاء الآخرين لأيّ سببٍ قد حدث في الماضي، وهو رغبة قويّة في أن نفتح أعيننا لرؤية مزايا النّاس بدلاً من أن نحكم عليهم ونحاكمهم أو ندين أحداً منهم. والتسامح أيضاً أن تفتح قلبك، وأن لا يكون هناك شعور بالغضب ولا لوجود المشاعر السلبية لأيّ شخصٍ أمامك. وبالتسامح تستطيع أن تعلم أنّ جميع البشر يخطئون، ولا بأس بأن يخطئ الإنسان.

1- مفهوم التسامح

التَّسامح في لغة العرب من الفعل سَمَحَ به ويسمح به أي جاد به وكَرُمَ به، وسَمَحَ له أي أعطاه ومنحه، ومن مشتقّاتها أيضًا المسامحة أي المساهلة والمياسرة في الأمر، أمّا التَّسامح في الاصطلاح فهو فعل قُدرةٍ بحيث يستر المرء القادر الفعل القبيح أو الكلام المسيء الذي صدر بحقّه ممّن هو تحت قدرته وسطوته، فيكون الصَّفح والتَّسامح من منطلق القوة والاقتدار على المسيء المُذنِب. وفي عُرف النَّاس هو الصَّفح والعفو والمسامحة ممّن يمتلك القُدرة على الانتقام وانتزاع الحقّ باليد من الأقلّ منه والذي تسبّب له بالأذى أو الضرر وأقدره الله عليه.


132


2- سيرة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ووصيه في التسامح
لقد حثّنا الإسلام دين السماحة والرحمة على التحلّي بالأخلاق، والقيم الحميدة، ومن بينها العفو والتسامح، وقد جاءت الكثير من الآيات القرآنيّة، قال الله عزّ وجلّ في كتابه العزيز: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ2, وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ3.

ولهذا فالتَّسامح من الخِصال الجليلة، ومن صفات الأنبياء والعظماء عبر التَّاريخ وعلى رأس هؤلاء النَّبي محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم الذي سامح كفَّار قريش عندما دخل مكّة فاتحًا على جميع ما فعلوه به وبأصحابه من صنوف العذاب والنَّكال، فقال: اذهبوا فأنتم الطُّلقاء4، فبذلك يكون النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم والدين الإسلاميّ قد سبقا جميع المؤتمرات والمواثيق التي صدرت حول معنى التسامح، وأهمّيّته في التعايش وكسب القلوب.

وقدّ وجّه الله تعالى النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نحو قيمة التَّسامح في أكثر من موضعٍ في القرآن، فهو قدوة المسلمين واتّباعه أمرٌ واجبٌ يُثاب المسلم عليه ومنها، قال تعالى:
﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ5, ففي


133


هذه الآية الكريمة خِطاب للنَّبي صلى الله عليه وآله وسلم ولأمّته من بعده بوجوب الصَّفح وترك المؤاخذة والانتقام، وقد قرنت الآية الكريمة ما بين الصَّفح والتسامح والسَّلام. وفي السِّيرة العَطرة للنّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم العديد من المواقف التي تسامح فيها النَّبي وعفا عمّن ظلمه وأخرجه من دياره ووصفه بالجنون وقتل أتباعه. وعلى هذا، فقد امتدح الله سبحانه وتعالى رسوله الكريم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم، بقوله عزَّ من قائل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ6, كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أمرني ربّي بمداراة الناس كما أمرني بأداء الفرائض"7، وقال صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً: "مداراة الناس نصف الإيمان والرفق بهم نصف العيش"8.

إلى ذلك، فإنّ رسول الإسلام، لم يواجه عنف الآخرين بالعنف، فلما أظهر صلى الله عليه وآله وسلم دعوته الشريفة في مكّة، اصطدم بجدار صُلب من القسوة والعنف، تمثّل في قريش، التي لم تترك وسيلة من وسائل التعذيب والإهانة والافتراء، إلّا واستخدموها ضدّه، وفي المقابل كان دعاؤه: "اللهمّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون"9.


134


وروى عبد الله بن مسعود: إنّي رأيت رجالاً من قريش يضربون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد أدموا وجهه الشريف، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يمسح الدم عن وجهه، ويقول: اللهمّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون.

3- البرنامج العمليّ في كيفيّة التسامح

من جملة ما أوصى به الإمام جعفر بن مُحمد الصادق عليه السلام صاحبه عبد الله بن جندب أن قال له: "يا بن جندب، صِلْ من قطعك، وأعط من حرمك، وأحسن إلى من أساء إليك، وسلّم على من سبّك، وأنصف من خاصمك، واعف عمّن ظلمك كما أنّك تُحبّ أن يُعفَى عنك، فاعتبر بعفو الله عنك، ألا ترى أنّ شمسه أشرقت على الأبرار والفجّار، وأنّ قطره ينزل على الصالحين والخاطئين"10، ولا بدّ لنا من توضيح هذا البرنامج العمليّ الذي رسمه الإمام الصادق عليه السلام:

أ- صِل من قطعك:

إنّ تهذيب المسلمين وتربيتهم تربية صالحة كما يريدها الله تعالى كان همّ الأئمة من أهل البيت عليهم السلام. فكانوا يبذلون قصارى جهدهم في تعليم أهل الإسلام أحكامه الشرعيّة، وتلقينهم المعارف المحمّدية، وكانوا يُعرّفون المسلم المؤمن ما له وما عليه كي يبقى في ساحة رحمة الله تعالى، وألّا يخرج منها إلى ساحة الشيطان. وهذا الإمام الصادق عليه السلام يوجّه كلّ مسلم، فيقول له بقول مطلق: "صِل من قطعك"11، مع أنّ الذي يتبادر إلى أذهان أكثر الناس أنّ الصلة تكون تلقائياً لمن وصلك، وتكون أيضاً للأرحام لأنّها تُزكّي الأعمال وتُنمّي الأموال وتدفع البلوى وتُيسّر الحساب وتُنسئ في الأجل.


135


وعن أبي حمزة الثماليّ، عن عليّ بن الحسين عليهما السلام قال: سمعته يقول: "إذا كان يوم القيامة جمع الله تبارك وتعالى الأوّلين والآخرين في صعيد واحد، ثمّ يُنادي منادٍ: أين أهل الفضل؟ قال: فيقوم عنق من الناس فتلقاهم الملائكة فيقولون: وما كان فضلكم؟ فيقولون: كُنّا نصل من قطعنا ونُعطي من حرمنا ونعفو عمّن ظلمنا، قال: فقال لهم: صدقتم ادخلوا الجنّة"12.

ب- وأحسن إلى من أساء إليك:

إنّ من أسباب السعادة أن تعفو عمّن ظلمك، وتُعطي من حرمك، وتُحسن إلى من أساء إليك، فإنّ العفو والصفح يُنقّي القلب من الغيظ والحقد والعداوة، كذلك الصفح والتجاوز يُطهّر القلب، ويجلب له السعادة والمسرّات، فلا يُسَرّ الإنسان وقلبه ممتلئ غيظاً وحقداً، والله تعالى يقول في مُحكم كتابه: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا13. فتأمّل كيف أعطاهم شرف النسبة إليه سبحانه مثلما قال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ14. فإذا جاءك إنسان، فقال لك: فلان قد أساء إليك ويقول فيك كذا وكذا، فهناك حسن، وهناك أحسن، ولم يقل الله: قولوا حسنى، بل أمر: بأنْ يقولوا التي هي أحسن "أفعل التفضيل"، وهذا ممّا


136


يدلّ على أنّ عباد الله حقّاً لا يُبادلون الإساءة بالإساءة، مع أنّ الحقّ لك إذا أساء غيرك، أن تردّ الإساءة بالإساءة، ولكنّ الأحسن أنْ تردّ الإساءة بالإحسان: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ15.

ج- وسلّم على من سبّك:

الإمام الصادق عليه السلام عندما أوصى بهذه الوصيّة المباركة "وسلّم على من سبّك" فإنّه كان وما زال يريد منّا أن نكون من عباد الله السالكين مسالك الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولأنّ تبادل السباب ونشوب الخلاف غير المحمود يؤدّي إلى انتشار العداوة بين أهل الإسلام بذلك أخبرنا النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه عنه حفيده الإمام أبو جعفر الباقر عليه السلام حين قال: إنّ رجلاً من بني تميم أتى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: أوصني، فكان فيما أوصاه أن قال له: "لا تسبّوا الناس، فتكتسبوا العداوة بينهم"16، وكي لا يحصل ذلك وَجَّهَنا الإمام الصادق عليه السلام بقوله: "وسلّم على من سبّك" لنكون من العاملين بقوله سبحانه:
﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ17.

د- واعف عمّن ظلمك:

لا شكّ في أنّ من صبر على الأذى وعفى عمّن ظلمه يكون قد فعل


137


أمراً مشكوراً، وفعلاً حميداً، وله عليه ثوابٌ جزيل، وثناءٌ جميل، لا ريب في ذلك والله تعالى يقول: ﴿وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى18 أليس لك في هذا عوض؟ فانظر في كتاب الله تعالى وتأمّل الأجر الذي أعدّه الله للمتّقين، فضلاً عن أنّ عفو المظلوم مريحٌ لقلبه في هذه الحياة الدنيا، والله تعالى يقول: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ19, وقد عبّر مولانا الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه السلام عن العفو بتعبيرٍ يُبيّن فيه أنّ العفو والصفح لهما المقام الأسنى بين الفضائل الأخلاقيّة، فقال عليه السلام: "العفو تاج المكارم"20، والتاج كما هو معلوم علامة العظمة والعزّة، وهو زينة الملوك حيث يوضع على أشرف موضع من بدن الإنسان وهو الرأس.


138


هوامش

1- سورة آل عمران، الآيتان 133 134.
2- سورة فصلت، الآية 34.
3- سورة النور، الآية 22.
4- الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج3، ص 513.
5- سورة الزخرف، الآية 89.
6- سورة آل عمران، الآية 159.
7- الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص 117.
8- المصدر نفسه، ج2، ص 117.
9- العلامة المجلسي، بحار الأنوار، مصدر سابق، ج95، ص 167.
10- الحراني، تحف العقول، مصدر سابق،ص305،
11- المصدر نفسه.
12- الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص108، والحسين بن سعيد الكوفي، الزهد، تحقيق ميرزا غلام رضا عرفانيان، لا.ن، لا.م، 1399ه، لا.ط، ص93.
13- سورة الإسراء، الآية 53.
14- سورة الفرقان، الآية 63.
15- سورة فصلت، الآية 34.
16- الشيخ الكليني، الكافي، مصدر سابق، ج2، ص360.
17- سورة فصلت، الآية 34.
18- سورة البقرة، الآية 237.
19- سورة الشورى، الآية 43.
20- التميمي الآمدي، عبد الواحد بن محمد، غرر الحكم ودرر الكلم، تحقيق وتصحيح السيد مهدي رجائي‏، نشر دار الكتاب الإسلامي‏، إيران- قم‏، 1410ه‏، ط2، ص36، والليثي الواسطي، الشيخ كافي الدين أبو الحسن علي بن محمد، عيون الحكم والمواعظ، تحقيق الشيخ حسين الحسيني البيرجندي، دار الحديث، إيران - قم، 1418ه، ط1، ص19.