الليلة الثانية

المحاضرة الأولى:


عاقبة الظلم وقتلة الحسين عليه السلام

الهدف: بيان مظلوميّة أهل البيت عليهم السلام وسوء عواقب الظلم في الدنيا والآخرة لا سيّما عاقبة قتلة الإمام الحسين عليه السلام.

تصدير الموضوع
﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ 1.


45


المقدّمة:

إن ّزاد الإنسان الذي يرافقه في الآخرة هو ما يفعله سواء كان حَسَناً أو سيّئاً ، وإنّ أسوأَ ما يمكن أن يحمله الإنسان وينقله من الدنيا الفانية إلى الحياة الأبديّة الباقية ليكون مُخَّلداً معه هو الظلم لا سيّما ظلم العباد. وهو من الظلم الذي لا يُترك كما ورد عنهعليه السلام: "ألا وإنّ الظلم ثلاثة: فظلمٌ لا يُغفر، وظلمٌ لا يُترك وظلمٌ مغفور... وأمّا الظلم الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضاً"2.

محاور الموضوع

أعظم ظلم:
قال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام: "بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد"3.
لقد عبَّر أمير المؤمنين بأوجز عبارة عن حقيقةٍ قرآنيّة وهي أنّ الإنسان في هذه الدنيا عامل، وثمرة عمله تظهر في الآخرة.
وإذا حاولنا استعراض المسيرة البشريّة لا نجد ظلماً أفحش ولا أعظم من ما حدث في كربلاء يوم العاشر من المحرّم سنة 61هـ.
فهناك كانت أعظم الجرائم وأقبحها ليس فقط لأنّها لم تترك


46


وحشيّة إلّا اقترفتها من قتلٍ وتقطيع أوصالٍ، وسبيٍّ، وتعرّضٍ للنساء والأطفال بالقتل، وبما هو أفظع أحياناً من القتل. بل لأنّه كان ظلماً لا نبالغ إذا ما قلنا أنّه طال كلّ موجود بدءاً من أقدسهم النبيّ محمّد صلى الله عليه و آله وسلم وعليّ وفاطمةL إلى كلّ عالم الوجود من أهل السموات والأرض وهذا ربما ما تشير إليه عبارات الزيارات لا سيّما زيارة عاشوراء.

إضافة إلى أنّه مصداق الحديث الشريف الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "يقول الله اشتدّ غضبي على ظلم من لا يجد ناصراً غيري"4.
ولقد كان الحسين عليه السلام وركبه في تلك الواقعة وفي تلك البقعة بلا ناصر أمام الحشد الهائل لجند الظالم.
وقد أظهر الإمام الحسين عليه السلام ذلك باستدعائه الناصر بقوله: "هل من ناصر ينصرنا".

الظالم لا يخاف الله:

إنّ للظلم أسباباً كثيرة ترجع في أغلبها إلى أمور منها:
حبّ الدنيا ومناصبها وجاهها وسلطانها, فملك الريّ دعا اللعين ابن سعد أن يقود الجيش الذي ارتكب الفظائع بحقّ أهل بيت الطهر والنبوّة عليهم السلام.


47


عدم الشعور بالرقابة الإلهيّة:

عدم الإيمان بالآخرة وعلى الأقلّ التشكيك بها, فمن يؤمن بالله واليوم الآخر ويشعر بأنّ الله حاضر وناظرٌ مراقب لا يجرؤ على أن يظلم. وبالتالي فمن لا يؤمن بذلك لن يخاف من الله ليكون الخوف رادعاً له عن الظلم فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "من خاف ربّه كفّ ظلمه"5.
وكيف يجرؤ على الظلم من وصله قول رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "بين الجنّة والعبد سبع عقاب (عقبات) أهونها الموت" قال أنس: قلت يا رسول الله فما أصعبها؟ قال صلى الله عليه و آله وسلم: "الوقوف بين يدي الله عزَّ وجلَّ إذا تعلّق المظلومون بالظالمين"6.

عاقبة الظلم في الدنيا:

قد يظنّ بعض الظلمة أنّ نتائج ظلمهم وعقوبتهم عليه مؤخّرة إلى يوم القيامة وهذا ما قد يغريهم بالإستمرار فيه والاستبداد أكثر إلّا أنّ هذا ليس حقيقة لأنّ الله وعَدَ بكتابه أن يدافع عن المؤمنين والمظلومين ولا يرضى بالظلم، ولذا فهو يؤدّب الظالم في الدنيا وهناك آثاراً كثيرة وعواقب للظلم في الدنيا نذكر منها:


48


1ـ أعمار الظالمين قصار: عن الإمام عليّ عليه السلام: "من جَارَ قُصم عمره"7.

2ـ زوال النعمة: أو بمعنى آخر تعريض الملك للزوال: عن الإمام عليّعليه السلام: "بالظلم تزول النعم"8 أو ما ورد بأنّ الحكم مع الكفر يبقى ومع الظلم لا يبقى.

3ـ استجابة دعاء المظلوم بحقّ الظالم: عن الإمام عليّ عليه السلام: "... فإنّ الله سميع دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد"9.
وعن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله وسلم : "اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافراً فإنّه ليس دونه حجاب"10.

4 ـ تعجيل النقمة: وعن الإمام عليّ عليه السلام: "ليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم"11.

عاقبة الظلم في الآخرة:

يقول الإمام عليّ عليه السلام: "ظلامة المظلومين يُمهلها الله ولا يَهملها"12 فالظلم غير متروك والظالم غير مُهمل وقد سبق فيما مرَّ من الروايات أنّ من عواقب الظلم هو تشديد الحساب، وفي


49


ساحة المحشر وأمام الخلق جميعاً حيث يترك للمظلومين أن يمسكوا برقاب ظالميهم ليسوقوهم إلى الحساب وليقتصّوا منهم, وحينها كيف ستكون ساحة المحشر وكيف سيكون يوم القيامة بالنسبة للظالمين وما هي هيئتهم وكيف يشعرون؟

1 ـ الندم والحسرة: قال تعالى:
﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا 13.
وعن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "الظلم ندامة"14.

2 ـ العذاب الأليم: ويقول عزَّ من قائل:
﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ 15.

3 ـ السقوط عن الصراط: عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزَّ وجلَّ
﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ قال عليه السلام: "قنطرة على الصراط لا يجوزها عبد بمظلمة"16.

4 ـ ظلمات: ورد عن رسول الله قوله صلى الله عليه و آله وسلم: "... وإيّاكم والظلم فإنّ الظلم عند الله هو الظلمات يوم القيامة..."17.
والظلمات يوم القيامة قد تكون العمى كما في قوله تعالى:
﴿ وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً 18.


50


وقد تكون بمعنى التقلّب في ألوان المهانة والعذاب والشدائد.

5 ـ عقوبة الظالم أشدّ من الظلم: عن الإمام عليّ عليه السلام: "يوم المظلوم على الظالم أشدّ من يوم الظالم على المظلوم"19.
لأنّ المظلوميّة تذهب بذهاب الألم الناتج عنها وعلى الأكثر بالموت بينما الإقتصاص من الظالم في الدار الآخرة يكون بعذاب أشدّ وأبقى وأدوم ولذا قال الإمام عليّ عليه السلام: "إيّاك والظلم فإنّه يزول عمّن تظلمه ويبقى عليك"20.

6 ـ الله خصم الظالم: عن الإمام عليّ عليه السلام: "من ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده"21.

عاقبة ظالمي أهل البيت عليهم السلام

لقد ذكرت الروايات أنّ الإمام الحسين عليه السلام وكذلك غيره من أصحابه وكذلك أخته العقيلة زينب عليها السلام قد صدر منهم ما يلفت إلى عواقب القتلة والمجرمين.
فقد أخبر الإمام الحسين عليه السلام ابن سعد أنّه لن يكون له ملك الريّ وقد حصل ذلك وأنّه سيذبح على فراشه وقد حصل ذلك على يدي المختار الثقفيّ الذي قتل أيضاً قتلة الإمام الحسين عليه السلام من ابن زياد إلى حرملة إلى شبث بن ربعي إلى آخرين.


51


وقد أخبرت الحوراء زينب عليها السلام الطاغية في مجلسه بزوال ملكه وملك آل أبي سفيان عمّا قريب وعدم حصول مبتغاهم حيث أطلقت صرختها للتاريخ:

"كد كيدك واسع سعيك وناصب جَهدك فوالله لن تُميت وحينا، ولن تمحو ذكرنا..."22 وهكذا كان فبعد ما لا يزيد على سنوات ثلاث هلك يزيد وانتقل ملك آل أبي سفيان إلى آل مروان. وها هو ذكر آل محمّد صلى الله عليه و آله وسلم يملأ المحافل وينير الآفاق ويجلو الظلمة عن الأبصار والبصائر وفعلاً، "كذب الزمان فالحسين مخلّد".


52


المحاضرة الثانية:


دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حماية وتحصين المجتمع‏

الهدف: تعزيز الإيمان بالله، واحترام القيم والمقدّسات الدينيّة، وحماية المجتمع الإسلاميّ من الانحرافات الثقافيّة والأخلاقيّة.

تصدير الموضوع

قال الله تعالى:
﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ 23.


53


﴿ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ 24.
المقدّمة:
يعتبر إصلاح المجتمع من خلال فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو اختصار لرسالة الأنبياء عليهم السلام التي أرسلهم الله تعالى بها, وهو غاية ما تحمّلوه من عذاب وجهاد في مواجهة الطواغيت وإرشاد العباد, حتّى يصلوا إلى تحقيق المجتمع الصالح.

محاور الموضوع

1- أهميّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

أ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ضروريّات الدّين:
وهما من أسمى الفرائض وأشرفها، وبهما تقام الفرائض، ووجوبهما من ضروريّات الدّين، ومنكره مع الإلتفات بلازمه والإلتزام به من الكافرين25.

ب- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من واجبات الأمّة جمعاء:
فيجب الأمر والنهي على كلّ من تتوفِّر فيه الشرائط من


54


العلماء وغيرهم من الرجال والنساء، قال الله تعالى: ﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ 26.

عن رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم: "لا تزال أمّتي بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البرّ، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات، وسلّط بعضهم على بعض، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء"27.
وعن الإمام الرضاعليه السلام قال: "كان رسول اللهصلى الله عليه و آله وسلم يقول: إذا أمّتي تواكلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليأذنوا بوقاع من الله"28.

ج- الأمر والنهي واجب كفائي:
الأمر والنهي واجبان على نحو الوجوب الكفائي فإذا تصدّى له من به الكفاية لإنجاز المهمّة وتحقيق الواجب سقط التكليف عن الباقين، غير أنّ وجوبه مستمرّ في عموم حالات المنكر ما دام المنكر موجوداً والمعروف متروكاً.

2 - معنى الأمر والنهي:
المراد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو قيام المكلّف


55


بواجب التصدّي لتارك المعروف أو لفاعل المنكر، لحثّه على فعل المعروف وترك المنكر بواحد من الأساليب التي وضعتها الشريعة لذلك.

أ - معنى المعروف:
المراد بالمعروف كلّ فعل حسن أوجبَتْه الشريعة المقدّسة أو ندبت إليه، فإن كان واجباً كان الأمر به واجباً، وإن كان مستحبّاً كان الأمر به مستحبّاً.

ب - معنى المنكر:
المراد بالمنكر كلّ فعل كرهته الشريعة فحرّمت فعله أو حثّت على التنزّه عنه وتركه، فإن كان المنكر حراماً كان النهي عنه واجباً، وإن كان مكروهاً كان النهي عنه مستحبّاً وراجحاً.

3- كيفيّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
يجب أن يكون الأمر والنهي برفق ولين وهدوء، فقد روي عن النبيّ صلى الله عليه و آله وسلم قوله لعليّ عليه السلام: "يا عليّ إنّ هذا الدّين متين فأوغل فيه برفق"29.
فلا بدّ من عدم الإفراط في الأمر والنهي ممّا يستلزم الإثقال على المأمور وتزهيده في الدّين وتنفيره منه وانقلاب الأمر إلى ضدّه.


56


أ - الأحكام والمراتب:
يمكن للمكلّف مع توّفر الشرائط، مهما كان موقعه في المجتمع أن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، ويواجه العصاة والمنحرفين والمتمرّدين، بأساليب ثلاثة على نحو الترتيب، بمعنى أنّه لا يجوز التعدّي عن مرتبة إلى الأخرى مع إمكانيّة حصول المطلوب من المرتبة الدانية مع احتمال حصوله.

ب- المراتب بالترتيب:

الأولى:
الإنكار والانزجار القلبيّ: وهو أن يأتي بعمل يُظهر به انزعاجه وكراهته للمعصية ولهذه المرتبة عدّة مظاهر مثل:
• الإعراض عن فاعل المنكر بالوجه والبدن ثمّ ترك الكلام معه.
• عدم مصافحته أو السلام عليه. والعبوس والانقباض في الوجه.
• المقاطعة والهجران. وعدم قبول الهدايا أو ردّها.
ولا بدّ هنا من الاقتصار على الدرجة الدانية فالدانية والأيسر فالأيسر.

الثانية:
الأمر والنهي لساناً: وهو الأمر والنهي بالكلمة بالنحو المناسب والمؤثِّر.


57


وتتحقّق هذه المرتبة بعدّة أمور منها:
الإرشاد والقول اللّين، وليس من الضروريّ أن يكون بصيغة الأمر والنهي.
• بصيغة البيان والتوضيح وشرح الأهداف والآثار.
• بصيغة الموعظة والتخويف من العقاب والترغيب في الثواب.
• بالصيغة الشديدة القويّة الخالية من التهديد.
• بالصيغة الشديدة القويّة المشتملة على التهديد والوعيد.

الثالثة:
الإنكار باليد:
وهي إعمال القدرة للأمر والنهي. فإذا علم بأنّ المرتبتين لا تؤثّران، واحتمل التأثير بالثالثة انتقل إليها.
ويجب مراعاة الأيسر فالأيسر، فلو أمكنه المنع عن فعل المنكر بالحيلولة بينه وبين المنكر وجب الاقتصار إليه.

4- منهج ووسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

أ- منهج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
قال الله تعالى:
﴿ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ 30.


58


وقال الله تعالى: ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى 31.
وقال الله تعالى:
﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ 32.
عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال لبعض أصحابه: "لا تحملوا على شيعتنا وأرفقوا بهم فإنّ الناس لا يحتملون ما تحتملون"33.
عن الإمام الرضا عليه السلام "لا تبذل لإخوانك من نفسك ما ضرّه عليك أكثر من منفعته لهم"34.

ب - وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
لمّا كانت الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عملاً إنسانيّاً يهدف إلى إصلاح الآخرين، فلا عجب أن يختلف باختلاف الأشخاص وأنواع الانحراف:
عن الإمام الباقرعليه السلام: "فأنكروا بقلوبكم والفظوا بألسنتكم وصكّوا بها جباههم ولا تخافوا في الله لومة لائم"35.


59


5- المفاسد الشائعة في المجتمع وطرق معالجتها:

تنتشر في مجتمعاتنا الإسلاميّة الكثير من المفاسد الخطيرة ممّا يؤدّي إلى ضعف الإرتباط بالدّين والرسالة.

أ- الأسباب:
• ضعف الثقافة الإسلاميّة والروح الإيمانيّة.
• عدم قيام من تتوفَّر بهم الشرائط بواجباتهم كما يجب.
• عدم وجود خطط وبرامج منظمة للأمر والنهي والإرشاد.
• عدم كفاية البرامج والنشاطات الموجودة.
• ضعف التأثير وجمود الأساليب المعتمدة. وانتشار وتطوّر وتعدد مراكز وعناوين الفساد والمنكر.

ب- أنواع المفاسد:
تبرز المفاسد بين الناس في عناوين متنوّعة بلا فرق بين الأفراد والجماعات:
• الشهوات والحاجات الجنسيّة للجنسين, والحفلات والاختلاط بشكل عامّ.
• الاستماع إلى الموسيقى والغناء المحرّمين.
• الاستفادة السلبيّة من الكمبيوتر والإنترنت ووسائل الإعلام والفضائيّات والمنشورات.


60


ج- طرق المعالجة:
• بثّ روح الثقافة الإسلاميّة والإيمانيّة.
• وضع خطط وبرامج منظّمة من لجان أو جمعيّات خاصّة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بإشراف العلماء، والحوزات العلميّة والجمعيّات والمؤسّسات.
• تنويع وتطوير البرامج الدينيّة والثقافيّة.
• إيجاد بدائل عمليّة ووسائل فاعلة في عمليّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
• المواجهة العمليّة والجديّة لكلّ وسائل وبرامج ومفردات الإعلام المنحرف.
• التوجيه الدائم للاستفادة الإيجابيّة من الوسائل الحديثة. وتنشيط الروحيّة الرساليّة والتربوية بين الناس.


61


المحاضرة الثالثة:


نصرة المظلوم في الشريعة الإسلاميّة

الهدف: إيضاح نظرة الإسلام من الظلم، وموقفه من الظالمين، وفلسفة وجوب نصرة ودعم المظلومين بمختلف الإمكانيّات والوسائل.

تصدير الموضوع

عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "ما من مؤمن يعين مؤمناً مظلوماً إلّا كان أفضل من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام، وما من مؤمن ينصر أخاه وهو يقدر على نصرته إلّا نصره الله في الدنيا والآخرة، وما من مؤمن يخذل أخاه وهو


63


يقدر على نصرته إلّا خذله الله في الدنيا والآخرة"36.

المقدّمة:

حذّرت الشريعة الإسلاميّة من أيّ شكل من أشكال الظلم أو الإعانة عليه, وأكّدت على ضرورة نصرة المظلوم والدفاع عنه, والظلم هو وضع الشي‏ء في غير موضعه المختّصّ به؛ إمّا بنقصان أو بزيادة، وإمّا بعدول عن وقته أو مكانه.. والظلم يقال في مجاوزة الحقّ الذي يجري مجرى نقطة في الدائرة ويقال فيما يكثر وفيما يقلّ من التجاوز37.

محاور الموضوع

1- قبح الظلم عند البشر:

تشهد دراسة التاريخ البشريّ بأنّ الإنسان مهما كان دينه ومسلكه وانتماؤه، وأينما حلّ في بقاع الأرض، يُدرك بنفسه قُبح الظلم وحُسن العدل، كما يُدرك بنفسه حسن الوفاء بالعهد وقبح نقضه، وحُسن معونةِ المظلومين ونصرتهم، وقُبح إعانة الظالمين ونصرتهم.
فالعقل البشريّ السليم يدرك حسن الأفعال وقبحها، ويعتبر


65


الفعلَ الحسَن علامة لكمال فاعله، والفعل القبيح علامة لنقصان فاعله.

أسباب الظلم:

• جهل الظالم بقبح الظلم.
• سفاهة الظالم وعدم حكمته.
• احتياج الظالم للظلم لحفظ مصالحه ومشاريعه.
جاء في دعاء الإمام زين العابدين عليه السلام "إنّما يحتاج إلى الظلم الضعيف"38.

2- مكانة نصرة المظلوم في الإسلام:

جاء الإسلام والناس متفرّقون شيعًا وأحزابًا وقبائل، فجمع الله به الناس، وألَّف به بين قلوبهم, قال الله تعالى:
﴿ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا 39.
وقد ربَّى الإسلام أبناءه على استشعار أنّهم أفراد في مجموعة وأنّهم أجزاء من هذه الجماعة الكبيرة، فالمسلم بشعوره أنّه جزء من الجماعة يحبّ للأجزاء الأخرى مثل ما يحبّ لنفسه.
إنّ انتماء المسلم للجماعة يرتّب عليه حقوقاً وواجبات، ومن أعظمها واجب التناصر بين المسلمين. قال رسول اللهصلى الله عليه و آله وسلم يقول


65


الله عزّ وجلّ: "وعزتي وجلالي لأنتقمنّ من الظالم في عاجله وآجله، ولأنتقمّنّ ممّن رأى مظلوماً فقدر أن ينصره فلم ينصره"40.

وفي وصيّة الإمام عليّعليه السلام لولديه الحسن والحسينعليه السلام يقول: "وكونا للظالم خصماً، وللمظلوم عَوْناً"41 وقد ورد الحثّ على إعانة المظلوم في العديد من الأدعية والروايات.
فعن الإمام زين العابدينعليه السلام: "اللهمّ إنّي أعتذر إليك من مظلوم ظلم بحضرتي فلم أنصره..."42

وقال الإمام عليّعليه السلام: "أحسن العدل نصرة المظلوم"43.

وعنه عليه السلام: "إذا رأيت مظلوماً فأعنه على الظالم"44.

3- أهميّة التناصر في حياة الأمّة:

للتناصر أهميّة عظمى في حياة الأمّة، وبدونه يصبح المجتمع الإسلاميّ مكشوفًا أمام أعدائه مُعَرَّضًا للهزيمة وعلى العكس من ذلك؛ فإنّ التزام أبناء المجتمع بنصر الله من ناحية ونصرة بعضهم البعض من ناحية أخرى، يؤدّي حتمًا إلى فوز المسلمين بكلّ خير، وظهورهم على عدوّهم تحقيقًا لوعد الله


66


عزَّ وجلَّ: ﴿ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ 45.
وتكون النصرة بتقديم العون له متى احتاج إليه، ودفع الظلم عنه إن كان مظلومًا، وردعه عن الظلم إن كان ظالمًا، تحقيقًا لقول الرسولصلى الله عليه و آله وسلم: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا" فقال رجل: يا رسول الله! أنصره إن كان مظلومًا، أرأيت إن كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: "تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره"46.

وكان ممّا أمر به النبيّصلى الله عليه و آله وسلم أمّته نصر المظلوم بغضّ النظر عن لونه وجنسه، في الرواية: أمر رسول اللهصلى الله عليه و آله وسلم بسبع: "عيادة المريض، واتباع الجنائز، وتسميت العاطس، وإبرار القسم أو المقسم، ونصر المظلوم..."47.

وكان يشحذ همم المسلمين ويحثّهم على نصرة المظلوم مبيّنًا أنّ الجزاء سيكون من جنس العمل: "ما من امرئ يخذل امرءاً مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلّا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته، وما من أحد ينصر مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلّا نصره الله في موطن يحبّ فيه نصرته"48.


67


4- ثواب نصرة المظلوم:

عن رسول اللهصلى الله عليه و آله وسلم: "من أخذ للمظلوم من الظالم كان معي في الجنّة مصاحباً"49.

5- خصوصيّة استجابة دعوة المظلوم:

المستفاد من عدّة روايات أنّ الله تعالى خصّ المظلومين بقبول دعوتهم ونصرتهم، وردّ كيد الأعداء، وما ذلك إلّا لأنّهم أصحاب حقّ، وإنّ الله تعالى لا يمنع ذا حقّ حقّه، ويحثّ عباده على نصرة المظلومين.
عن رسول اللهصلى الله عليه و آله وسلم "اتقوا دعوة المظلوم فإنّها تحمل على الغمام، يقول الله: "وعزّتي وجلالي لأنصرنّك ولو بعد حين"50.
وعنه صلى الله عليه و آله وسلم قال: "اتقوا دعوة المظلوم، فإنّها تصعد إلى السماء كأنّها شرارة"51.
وعن الإمام عليّعليه السلام لمّا سُئل كم بين الأرض والسماء؟: "بين السماء والأرض مدّ البصر ودعوة المظلوم"52.


68


هوامش

1- سورة الشعراء، الآية: 227.
2- نهج البلاغة, ص 90.
3- نهج البلاغة, ص 48.
4- مجمع الزوائد, ج 4 ص 206.
5- الكافي, ج 8 ص 24.
6- ميزان الحكمة, ج 2 ص 1771.
7- ميزان الحكمة, ج 2 ص 1772.
8- ميزان الحكمة, ج 2 ص 1772.
9- نهج البلاغة, ص 82.
10- ميزان الحكمة, ج 2 ص 1781.
11- نهج البلاغة, ص 82.
12- ميزان الحكمة, ج 2 ص 1775.
13- سورة الفرقان، الآية: 27.
14- بحار الأنوار, ج 72 ص 322.
15- سورة الزخرف، الآية: 65.
16- الكافي, ج 2 ص 331.
17- الخصال, ص 177.
18- سورة الإسراء: آية 72.
19- نهج البلاغة, ص 54.
20- عيون الحكم والمواعظ, ص 97.
21- مستدرك الوسائل, ج 12 ص 100.
22- بحار الأنوار, ج 45 ص 135.23- سورة آل عمران: آية 110.
23- سورة آل عمران: آية 110.
24- سورة النحل: آية 125.
25- تحرير الوسيلة للإمام الخميني قدس سره.
26- سورة آل عمران: آية 104.
27- بحار الأنوار, ج 97 ص 94.
28- الكافي, ج 5 ص 59
29- وسائل الشيعة, ج 1 ص 110.
30- سورة النحل: آية 125.
31- سورة طه: آية 43.
32- سورة آل عمران: آية 104.
33- الكافي, ج 8 ص 334.
34- وسائل الشيعة, ج 16 ص 316.
35- الكافي, ج 5 ص 56.36- (وسائل الشيعة، ج‏ 12 ص 291).
36- (وسائل الشيعة، ج‏ 12 ص 291).
37- (مفردات ألفاظ القران، للراغب الأصفهانيّ، 537).
38- الصحيفة السجّاديّة ص 278.
39- سورة آل عمران: آية 103.
40- ميزان الحكمة, ج2 ص 1774.
41- نهج البلاغة 1 76.
42- الصحيفة السجّاديّة ص 189.
43- ميزان الحكمة, ج2 ص 1780.
44- ميزان الحكمة, ج2 ص 1780.
45- سورة الحجّ: آية 40.
46- صحيح البخاري, ج8 ص 59.
47- بحار الأنوار، ج‏72، ص‏17.
48- مسند أحمد, ج 4 ص 28.
49- بحار الأنوار، ج 72 ص 377.
50- ميزان الحكمة, ج2 ص 1781.
51- ميزان الحكمة, ج2 ص 1781.
52- ميزان الحكمة, ج2 ص 1781.